هل يمكن لثلاثية الحب والبؤس والانقراض أن تصنع معجزة ما في زمن ما لا تتحرك فيه إلا حرقة الشعر وألم الشعر وفتوحاته السرمدية الساحرة، وهو يفتتن الغياب خلاصاً حقيقياً لمأساة إنسان كان نداؤه منذ صيرورته الأولى في ربيع النطق، الحرية أولاً.

وبعدها عذابات الشاعر الإنسان التي تأتي دائماً مكدسة به وعلى امتداد نواة الكون بكل طرقاته القاحلة ومضاميره المستحيلة، عبر لهاثه المدبب وراء مدن الطمأنينة والنشوة والهدوء، علها توفر شيئاً من بهاءات الدفء لجسد يأبى أن ينقرض وحيداً رغم موته الرحيم،

جسد أنهكته حنطة التعب الموروثة من أبعد دمعة في جفن أنكيدو حتى آخر شهقة طفل عراقي يموت، جسد بللته نجوم المنافي، ولم يتبق من شمسه المنهكة غير أناشيد ثكلى، لطالما وجدت لها حيزاً وافراً في أفئدة شعراء العراق وأرواحهم الحديدية الحائرة.

ثلاثية الحب والبؤس والانقراض، الحب بكونه محركاً سحرياً للحياة أو الفناء، والبؤس بكونه مقصلة ضارية لا ترحم شمس اللاهثين وراء مغفرة التراب ولا صرخاتهم المعبأة بفاكهة العويل أو الانقراض الذي يؤسس دائماً لحياة ما، من خلف رماد ما، يوقد في عزلته الرهيبة، غربة من طراز فريد وعذوبة تبوبها الغرف الصغيرة والأرصفة وقحط المنافي والحروب.

جان دمو عاشقاً للحياة، أو جان دمو ناقماً على الحياة، هذا التناقض المرعب الذي رسم على جسده النحيل، خارطة عمره المفقود بين أديم المحطات الغريبة، بوصلة كبيرة من العذاب، رغم نشوتها الضئيلة ونهايته الحتمية المؤلمة من حيث قطف دخان الشعر وهو يشعل رئة المحبة على روحه المحمولة بين دجلتين أو دمعتين أو ضحكتين بللتهما مكائد العيش ومباهج الكلمات الحالمة.

من حيث قطف ضباب العاصفة، إقصاء مسافات الأمل والبهجة والنعيم على جسد فؤاده العاطل عن اللحاق بمطارق السعادة والفرح، وبالريح وبصباحات الريح وما تنذره على روحه الموزعة بين أفواه العواصم والمدن الغريبة، وجسد لا يتطلب كثيراً،

ولا يحتاج إلى أكثر من وجبة طعام صغيرة في غرفة هجرتها الحياة قديماً، فتجده متفتحاً كفجر خجول، ومبتسماً كفلاح قديم، ومتمرداً بدهشة هائلة وتناغم سوريالي عجيب وهو يبصر بشائر الحياة والموت التي أعلنت جان دمو، جثة هامدة في منفاه الاسترالي البعيد.

ولد جان دمّو (1942 - 2003) في كركوك، وما لبث أن يغادرها إلى بغداد، ثم إلى بيروت في أوائل السبعينات، وفي أواخر حياته عاش في عمان ثم استراليا حيث توفي هناك، له مجموعة وحيدة بعنوان (أسمال) صدرت عن دار الأمد البغدادية في عام 1993 وتتضمن 27 قصيدة قصيرة،

وهو عضو بارز ومهم في (جماعة كركوك) الأدبية التي تضم أيضاً الشعراء، فاضل العزاوي، سركون بولص، أنور الغساني، مؤيد الراوي ويوسف الحيدري، ولجان دمو الكثير من الترجمات الشعرية

والقصصية والنقدية المنشورة في المجلات والصحف العراقية، ولديه أعمالاً مهمة لم تر النور، موزعة بين أصدقائه المنتشرين في منافي الكون، منها (مصطلحات الماء) ورواية بعنوان (حذاء في جبهة) وله آراء وأفكار تنطوي على ثقافة جدية،

ففي رسالة له بعثها من بيروت إلى صديقه الشاعر عبد القادر الجنابي يقول جان (القصيدة هي شكل من المعاناة العفوية في لحظة من لحظات الاتفاق مع الذات والكون، هي عرس العقل كما يقول فاليري وهي عرس تهشيم العقل

كما يقول بروتون، إنها العلو الساخن المبتهج وهي صرخة الكائن المهموم ضمن كون أخرس وعابث ولربما هي إتحاد المألوف مع الغامض، نافذة للشكل في استقصاءاتها الفريدة وفي عذاباتها المتوترة.

«ماذا سنخلف لأطفالنا الجدد؟

هل سنخلف لهم موتاً جاهزاً؟

هل سنخلف لهم سموماً حارة؟

هل سنخلف لهم جنائز؟»

في هذا النص المحزن ومن خلال بنية سردية موجعة في سؤال يتناغم مع مناخ الخطاب العام القائم على الانهيار والمكابدة والفجيعة وعبر سؤال الموت الذي تمارسه الذات مع نفسها، لتكشف عن الموت القادم للآخر الذي أنصهر معه في واقع المعاناة، يطرح لنا جان دمّو عالمين متناقضين من التوجع والخيبة والركام،

عالم الموت الذي ينتظر الأطفال، وعالم البراءة الذي يمثلونه، بنفس شعري له دلالاته المتفجرة بالرؤى التي توّلد في نفس المتلقي فعل الصدمة والدهشة والذهول، من خلال تلك الأسئلة المتلاحقة والمسكونة بالمأساة والهم والفزع، بوعي إنساني متميز ومكابدة روحية عميقة.

وقد تناول الكثير من الشعراء والنقاد تجربة جان دمّو الإنسانية والشعرية، منها كتاب (غريب على الضفة النائية) للشاعر سعد الجوير، الذي يقول فيه (لو رسمت نصوص جان دمو رسماً بيانياً، لكانت هذه الرسومات شبيهة جداً بأوراق تخطيط القلب،

لأنه وبطبيعة ما يعيش لا يعتمد على حركة رتيبة في الزمن الكتابي، إن تعبيراته الأدبية على الرغم من تواترها في عملية الكلمات كتابياً، إلا أنها تأتي كما لو مسها تيار كهربائي شديد يشعره المتلقي عن طريق ارتفاع وهبوط المعنى العميق أو الظاهر ارتفاعاً وهبوطاً متوالياً مما يحتم عملية قراءة جان دمو بدقة وهدوء.

لقد كان جان دمو بحق ظاهرة حقيقية لها أثرها البالغ في جغرافيا الثقافة العراقية المعاصرة بشكل خاص وظاهرة فريدة في الوسط الثقافي العربي عموماً، وكما يصفه الناقد عدنان حسين (جان دمو يشكل ظاهرة حياتية متميزة،

أكثر من كونه ظاهرة شعرية متفردة في الوسط الثقافي العراقي، بل انه ببساطة كان يؤثث الأمكنة الثقافية العراقية، فلا معنى لمقهى حسن عجمي ولا لإتحاد الأدباء من غير جان دمو وأصدقائه الحالمين).

فبهدوء أسطوري ونهاية درامية مفجعة، يغادرنا جان دمو إلى خلاصه الأبدي الرحيم وبين يديه المطفأتين ضحكة بيضاء، لطالما تيبست من فرط توجعه القديم، وكلمات لا تستئذن إلا ميسم القلب وهو يزحف إليه ذات صباح،

مبللاً بالفرات وأضرحة النخيل البابلي المضيء، من حرقة وطن يأبى أن يموت وحيداً، وطن يموت فيه كل شيء إلا الشعر وفضة الشعر ومدائن طيبته المقدسة في أرض السواد، أنها المعجزة، بل انه الحب، وداعاً جان.

قاسم سعودي