أكثر من 16 شخصية ثقافية لبنانية تعيش في فرنسا، وقعت مؤخراً على عريضة تطالب بتشكيل لجنة مستقلة لكشف الحقيقة كاملة حول الجرائم التي ارتكبتها (إسرائيل) بحق المدنيين اللبنانيين.. وأثناء أيام العدوان وقع أكثر من ألف شخصية عربية وعالمية على عريضة مماثلة تدعو إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، وإلى احترام السيادة الوطنية اللبنانية التي يتجاهلها العدوان الإسرائيلي..

الملفت بداية، أن عدد الموقعَين على هاتين العريضتين قد انخفض بشكل واضح، بعد أن اكتشفت الغالبية عدم جدوى هذه النوعية من العرائض التي لا تضر ولا تنفع، سوى أن بعض وكالات الأنباء تكرمت بنقلها، وقامت بنشرها صحف محددة من باب التغطية الإخبارية لا أكثر.

فما معنى وجدوى أن يوقع مثقف على عريضة احتجاج، ما لم يأمل ولو في الحدود الدنيا، أن يترك هذا التوقيع أثراً يعادل ( ربع) ما فعلته الصواريخ التي أمطرتها (إسرائيل) على المدنيين العزل في لبنان، مذيَلة بتوقيع (أطفال صهاينة) ملأ الحقد الأسود قلوبهم المريضة..؟!

ثم ألا توجد وسائل أكثر نجاعة وفائدة من هذه العرائض التي لم يجاريهم فيها ـ للأسف ـ الأدباء العرب، الذين لم يكلفوا خاطرهم هذا العناء، بعد أن أكتفوا بتسطير بيان عاجل، لم يتخط حدود الورق الذي كتب عليه.

ربما يقول البعض مدافعاً، ان الاحتجاج هو أضعف الإيمان للتعبير عن الغضب والرفض، لكن ما قيمة هذا الرفض الذي لم يحرك وجدان أحد، بعد أن اكتشفنا متأخرين أن الذاكرة الإنسانية ضعيفة في تدوين حقوق الضعفاء والدفاع عنهم، مثلما هي قوية، شجاعة إلى درجة الوقاحة، في عدم غفران أخطاء قديمة عفا عليها الزمن،

كالاعتراف المتأخر للأديب الألماني «غونتر غراس» بعضويته في فرقة الوحدات النازية الخاصة، بعد أن فقد القدرة على السكوت، وهو الأديب الملتزم والناقد العالمي، الحاصل على جائزة نوبل للآداب، والذي آمن على الدوام بأن الأدباء هم (ضمير الأمة)،

فتتالت كل هذه الردود والأصداء القوية في الأوساط الأدبية والإعلامية العالمية، في الوقت الذي يقف فيه الأديب العربي عاجزاً عن الحصول على اعتراف عالمي، بنازية (كيان) ما زال يمارس الرعب والقتل والتدمير.

ربما يحق لنا أن نسأل، هل تستحق اعترافات «غراس» الطوعية كل هذه الضجة، وقد أكد انه لم يطلق رصاصة واحدة على أحد، وكل ما فعله هو رغبته بالتحرر من القيود الاجتماعية والخروج من دائرة أسرته الضيقة إلى الفضاء الرحب ـ على حد تعبيره ـ ومع ذلك كان شجاعاً حينما لم يخف أسفه من أن ما قام به، بمثابة فضيحة ما كان ينبغي عليه فعلها.

ألا يحق لنا أن نسأل، هل يملك المثقف العربي جرأة الاعتراف بتقصيره، قبل أن يملك شجاعة البوح بحماقاته المبكرة كما فعل الأديب الألماني، وقبل أن يطالب الآخرين بالدفاع عن قضاياه.. وما رأيكم لو طالعتنا الصحف غداً بمشروع «عريضة اعتراف»، هل يوقع عليها أديب عربي.. شجاع.. واحد.

alomawi@albayan.ae