الفنان التشكيلي محمد صبري، عاشق الطبيعة ورائد من القلائل الذين يحتفظون بمصريته لتنمو في وجدانهم، وبعروبيتهم لتزداد رساخة يوما بعد يوم، وهو أستاذ غير متفرغ بكلية الفنون التطبيقية تتلمذ على يده فنانو المستقبل المشرق، في مصر وخارجها، كرمته العديد من الدول العربية والأجنبية، حاصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1997 ساهم في الحركة الفنية المعاصرة منذ أواخر الثلاثينات،
واتجه في أوائل الأربعينات إلى معالجة عاداتنا وتقاليدنا ومشكلاتنا الاجتماعية المصرية والعربية، أقام بالقاهرة مؤخراً... معرضه رحلة المغرب والأندلس الذي جمع فيه لوحاته عن الآثار الإسلامية في الأندلس، ومناظر الحياة المغربية ، يعرض فيه ما يقرب من 58 لوحة اسكتشية مرسومة من الطبيعة،
ودار معه هذا الحوار:
* هلا حدثتنا عن رحلتي المغرب والأندلس، وما تمثل لك في هذا المعرض؟
ـ كل ما قدمته في هذا المعرض جديد، وجاء من خلال زياراتي المتكررة للمغرب، حيث أقمت معرضًا سنة 1956 بدعوة من وزارة التعليم والثقافة، وكان معرضاً رسمياً، ورسمت مناظر طبيعية من المغرب وتم عرضها في ذلك المعرض، وأعُتبر هذا المعرض هو أول معرض مصري يقام بالمغرب، وبعد ذلك أقمت معرضا آخر بالرباط سنة 1958،
وتم عرض الكثير من اللوحات، التي تعبر عن المناظر الطبيعية في مصر وأسبانيا والمغرب، بينما الأندلس فترجع علاقاتي بها منذ عام 1951، حينما أرسلني د. طه حسين وزير المعارف وقتها بعثة إلى هناك، وأقمت أول معرض خاص بي في إسبانيا ومعالمها، يوجد كثير منها الآن خلال معرضي الحالي، وما يقرب من 58 لوحة تجمع بين اسكتشات مرسومة من الطبيعة مباشرة لمعرفة تعبر عن الآثار الإسلامية في قرطبة وغرناطة وأشبيلية ومالطة ورواندا ومدريد..
* أنت رائد من رواد فن الباستيل في مصر والعالم العربي، فلماذا تم ربطك بهذه المادة بالأخص؟
ـ هذه المادة صعبة المراس، وليس كل فنان تشكيلي يستطيع أن يستخدمها ويتناولها في أعماله، لأنها عندما توضع على الورق لا يتم مسحها وإزالتها بعد ذلك، وألوان الباستيل لا يتم تغيرها بسهولة بخلاف ألوان الزيت وعمرها قصير، بينما الباستيل عمرها أطول على الورق والقماش،
وجاء اهتمامي بهذه المادة منذ الأربعينات عندما كان محمد محمود خليل رئيس جمعية الفنون الجميلة وقتها يسيطر على الحركة الفنية وكان يستضيف معارض من الخارج لتعليم الشباب والجيل الجديد أحدث التقنيات الفنية التشكيلية،
وفي نفس الوقت أقمت معرضًا يجمع كل اللوحات التي رسمتها بمادة الباستيل، ووقتها شعرت بأنها مادة قريبة من تجربتي الإبداعية، واكتشفت بعد ذلك معالم هذه المادة، وتم فتح باب مغلق على كثير من الفنانين الذين كانوا يجدون صعوبة في استخدامها.
عاشق للطبيعة
* المتلقي لأعمالك الفنية يرى أنك عاشق للطبيعة، فما تعليقك؟
ـ أعتبر أن الطبيعة هي المعلم الأول للفنان التشكيلي، وفيها كل ما يحتاجه الفنان من ألوان وموضوعات وخطوط ومعمار وإحساس عال... وعلى الفنان أن يستفيد منها الكثير من حيث الألوان والثقافة والجمال، وجميعها عناصر ومقومات تعطيها الطبيعة للفنان، في حالة إحساسه المباشر بها،
إذا لم يشعر الفنان بالطبيعة يصبح إنتاجه الفني، مجرد شخبطة واختلاط في المعايير الفنية ومزج مقومات متغيرة غير متجانسة، بينما الطبيعة لها مذاق خاص لأن ألوانها متجانسة، ومعاييرها ثابتة وجميلة. فالله جميل يحب الجمال ليس هناك أحسن من الطبيعة التي حبانا الله بها كي نجسدها.
* ما الدافع وراء رسم المرأة العربية المغربية بالزي الوطني؟
ـ من خمسين عامًا كان ليس من السهل إطلاقاً رسم أي مواطن مغربي بالزي الوطني، ولكن تم تسهيل رسم هذه اللوحة عندما عرفوا إنني فنان مصري، وأعطوني الفرصة لأرسم بعض الفتيات في زيها الوطني والرسمي ورسم لوحة المرأة المغربية بالزي الوطني، جاء من الطبيعة مباشرة وليست من الخيال، فأردت أن أسجل المغرب في مراسمها الرسمية والوطنية مثلما رسمت معالمها الأثرية.
* إلى أي حد أسهمت الطفولة في تجربتك الفنية؟
ـ منذ الصغر وأنا في المرحلة الابتدائية في مدرسة عباس وهي من المدارس العريقة بالقاهرة القديمة، كنت مجتهدًا في دراستي، مما جعلني أحصل على جوائز ثقافية مثل الكتب والقصص لكبار الفنانين والمثقفين، وأثناء فترة إجازاتي المدرسية كنت أقرأ هذه الكتب، وكانت تلفت نظري الألوان والصور الموجودة في القصص، مما جعل والدي يشتري لي ألوانًا وورقًا كي أرسم ما أشاهده،
وأبدأ في تلوين كل ما أشاهده بشكل حرفي، مما جعل أساتذتي ينتبهون لموهبتي الفنية، وأخذ ناظر المدرسة مجموعة من لوحاتي ووضعها في مكتبه، وكان هذا هو أول معرض خاص لي، وبدأت بعد ذلك التدرج الطبيعي في تنمية موهبتي، حيث التحقت بكلية الفنون التطبيقية، حصلت على أول دبلوم عام 1937 ودرجة الأستاذية في التصوير من كلية الفنون الجميلة بسان فرناندو بمدريد عام 1952.
وحصلت على دبلوم الدراسات الإسبانية بكلية الآداب، جامعة مدريد سنة 1956 ثم أرسلتني وزارة المعارف في بعثة إلى إسبانيا أوائل عام 1950 والتحقت بكلية سان فرناندو بمدريد، وحصلت على بعثة من كلية الفنون الجميلة في القسم الحر لمدة عامين لمرسم الأقصر سنة 1949-1948.
الإهتمام العربي
* تاريخك الفني يؤكد إسهامك في الحركة الفنية المعاصرة منذ أواخر الثلاثينيات، فكيف تراها الآن؟
ـ شاركت في هذه الحركة منذ عام 1936 بأكثر من 60 معرضًا خاصًا بالداخل والخارج منذ كنت طالباً في كلية الفنون التطبيقية، وفي عام 1966 وبدعوة من وزارة السد العالي ذهبت إلى أسوان في مهمة فنية لتسجيل المرحلة الثانية من بناء السد العالي، كما تم اختياري عضوا في لجنة التحكيم في صالون الخريف السادس والأربعين الذي أقيم في إسبانيا سنة 1978،
والحركة الفنية الحديثة في مصرفي أوج نشاطها وازدهارها لأن الوزارة والدولة تحرصان على استضافة المعارض الخارجية وأصبح للشباب الجادين في الفن التشكيلي بينالي خاص بهم، مما يؤكد على اهتمام الوزارة والدولة بهم، كما ازدهرت أيضاً الحركة الفنية التشكيلية العربية، مما يؤكد على وعي الفنانين والمثقفين بهذا الفن الراقي، من حيث زيادة في إقامة المعارض وورش العمل الإبداعية،
ونتيجة هذا الازدهار والتطور وتنمية الوعي بهذا الفن، دعتني دولة قطر لإعطاء شبابها ورش عمل في تعليم فن الرسم بالباستيل، وأعتقد أن هذا لم يحدث في أي دولة عربية أخرى ولا حتى في مصر، كذلك اهتمام جمعية البحرين للفنون التشكيلية بإقامة معارض عديدة للشباب الموهوبين،
وكذلك رواد الفن التشكيلي،مما يوضح لنا اهتمام الدول العربية بالفن التشكيلي، كما أرسلتني وزارة الثقافة المصرية إلى سلطة عمان لرسم معالمها الأثرية، مما يؤكد على زيادة الوعي العربي بضرورة تجسيد التاريخ العربي العريق.
القاهرة ـ داليا فاروق