تتضمن مجموعة «كلام جرائد» لمؤلفها علي بريشة عشر قصص تتوزع على أربع وثمانين صفحة، وتحمل عنوانها بامتياز لأن القصص التي لا تدور أحداثها في أجواء صحافية، تلامس تلك الأجواء بطريقة ما، كما في القصة الأولى «على الهامش» فالقاص بحسه المرهف ورصده لنبض شوارع القاهرة المزدحمة استطاع أن يحبك قصة مثيرة ومدهشة لبائع جرائد تدهسه سيارة لفتاة شقراء..

ويتبرع الشباب لإنقاذ الطفل وإنقاذها أيضاً.. وفي اليوم التالي يهرع صديق البائع للبحث بين كلام الجرائد عن تلك الحادثة.. وهل الطفل مازال حيا أم لا..؟ لكن كل العناوين تتحدث عن الخطاب التاريخي للسيد الرئيس في مجلس الشعب.. فـ «تعبت عيناه من البحث.. سقطت دمعة على الصفحة الأولى وهي تطوى باهتمام.. ثم وضع الصحف داخل الملف وسار نحو الزحام.. ومن بعيد تعالى صوته: اقرأ الحادثة.. اقرأ الحادثة..»

تتضمن القصة وصفا مسهباً للأماكن والزحام، ومفارقات ذكية وبأسلوب تهكمي بين الزحام والزحام، وكما يقول غسان كنفاني في قصة له عن اللاجئين الفلسطينيين: «خيمة عن خيمة بتفرق» يشتغل بريشة على تلك المفارقات، فثمة شاب داخل سيارة يحسده من هم داخل الحافلة المكتظة لأنه يجلس وحيداً...

والشاب نفسه الذي يتصبب عرقاً لأن سيارته غير مكيفة، يحسد الفتاة الشقراء المستمتعة بالبرودة المنعشة داخل سيارتها الفارهة.. ولا يتوقف الكاتب على المقارنة بين الشخوص، بل يتدخل أيضاً في تلك المفارقات، ولكونه يحسد الفتاة الشقراء، يختارها من كل السيارات كي تدهس الطفل بائع الجرائد..

القصة متكاملة العناصر، لكنها تسهب في الوصف مما يبعدها عن الحدث الرئيسي، فالقصة القصيرة هي تكثيف لحدث ما، أو لحالة اجتماعية أو إنسانية ما، أو لجوانب من شخصية ما.. أي كان بإمكان تلك القصة أن تكون من صفحة واحدة وتؤدي غرضها بكل وضوح وتشويق.. مع ضرورة الإشارة إلى توفيق الكاتب في اختياره للعنوان والخاتمة..

خارج الباب.. داخل الباب. قصة مفربكة، تحاول أن تجسد فكرة ذهنية أساسها أن ثمة مفارقات في عالم الصحافة والفن التشكيلي، وخاصة في صرعات ما بعد الحداثة.. والفكرة تقول إن شاباً صحافياً كلف بتغطية معرض لأحد الفنانين التشكيليين والمسؤولين في الساحة الفنية،

وكان هذا الفنان قد وضع لوحة بيضاء وأمامها مجموعة ألوان وبطاقة تدعو كل زائر أن يرسم خطاً عشوائياً على اللوحة، ومن مجموعة الخطوط ستتشكل لوحة عبقرية وما كان من الصحافي إلا وان قام ـ تحت تأثير سيجارة بانجو ـ بخلط تلك الألوان بحامض الكبريتيك،

وبدلا من تشويه اللوحة، تحولت إلى برواز تتدلى منه سلخات مهلهلة من القماش الملون، وصارت بذلك لوحة غريبة وعبقرية.. ويعود الصحافي ويكتب عنها مقالة نقدية تفوز بجائزة، ويرشح الصحافي للسفر إلى الخارج، ويقوم بالتنظير لفن جديد هو الفن البروازي.

الفكرة المفربكة يلتف عليها الكاتب بعلاقة الزمان والمكان وكيفية حصول الأحداث، باستخدام العنوان ذاته «خارج الباب.. داخل الباب..» كلازمة لتراتب الأحداث، لكن ذلك لا يضبط الزمن، ويتناثر البناء القصصي أمام الركض وراء تحقيق الفكرة..

وتكون الخاتمة بأن هذا الصحافي بعد ثلاثين سنة: «يتوقف أمام الباب لحظة، ويتوقف معه الحشد والحاشية، فقد لمح على أحد الجدران شاباً صغيراً يستند على جدار وهو.. إلخ» وهو ما حدث معه في بداية القصة، وفي هذا التكرار لمحة ذكية من المؤلف في كيفية إعادة التاريخ لنفسه.

في «التطبيع مع الدوري» محاول للملمة خيوط غير متماسكة لمجموعة ذكريات وآراء وأفكار وشخصيات، في خلط قسري ما بين الاجتماعي والسياسي، وضمن لازمة هي يوم الخميس وفي المقهى حيث يتابع المشجعون مباراة لكرة القدم..

بناء قصصي مرتبك، يضيع فيه الزمان بين مشاهد قد يصلح كل واحد منها لقصة قصيرة.. وفي تبادل للضمائر «أنا» و «هم» دون اكتراث وبعفوية لا تخدم تماسك الجمل. يختلف الأمر في قصة «كمال».. فالكاتب يتحكم تماماً بالعلاقة بين زمان ومكان قصته، يستيقظ بطل القصة في مكان غير بيته.. بيته المفعمة صباحاته برائحة البخور وبسملات أمه وسعلة والده المهيبة،

وبين أحلام النوم وأحلام اليقظة ثمة كابوس يعيده إلى الماضي، إلى صور لعلاقات إنسانية تدل على الفوارق الطبقية من جهة، وتتهكم على طبائع بعضها من جهة ثانية.. ومن ثم يحلم بالبرنسيسة إنجي وبسعاد حسني.. حيث يتكئ الكاتب على شخصية كمال في ثلاثية نجيب محفوظ وشخصية انجي في رواية يوسف السباعي «رد قلبي» في مزج لافت ما بين مرجعيتين أدبيتين...

لكن الأهم هي الصحوة من الأحلام: «لقد عاد ـ أي المحقق داخل المعتقل ـ يخاطبني بلهجة باردة ولكنها تلسعني كالنار.. ألم تعترف بعد؟ من حرضك على السير في المظاهرة..؟» ويكون القاص بذلك قد تطرق بعفوية وانسيابية لعلاقة الاجتماعي بالسياسي دون إقحام للأفكار التي أرادها.

ربط الماضي بالحاضر

أما في قصة ابن اياس التي ذكرتنا بالروائي جمال الغيطاني، فإن الشغل على التاريخ وربط الماضي بالحاضر، لا تستوعبه قصة قصيرة، وخاصة مع كثرة الوصف والإنشاء.. وان كانت ثمة «كاميرا» تفاجئك في السرد، وتنقلك إلى الحاضر من خلال تصوير فيلم عن ابن اياس وطومان وخايربك..

فإن هذه النقلة تحتاج إلى حبكة أدق ولزمن متماسك، ولأمكنة ترتبط بتاريخها.. ولا يكفي الهروب إلى خلل ما من إدارة الإنتاج أو تلك النهاية: «المشهد 143.. المرة الثالثة.. مسلسل سليم الأول الفاتح العظيم»لإنقاذ الخلل الأكبر في البناء القصصي.

ويجني علي بريشة على قصته التي تحمل عنوان «قصتان» بهذا التقسيم القسري لها فهي قصة طويلة متكاملة العناصر وتكاد تقترب في تميزها من قصص يوسف ادريس فماذا يعني الكاتب بأن يقول: المكان: ميدان رمسيس بالقاهرة، والزمان: السادسة والنصف من صباح يوم عادي.. ومن ثم المكان: كافتريا شهيرة، الزمان: صباح نفس اليوم.. هل يعني هذا أن هناك قصتين لحدث واحد وشخصية واحدة؟

إن الكاتب استطاع في هذه القصة أن يشتغل بدقة وحرفية على الزمن الوقائعي والزمن التخييلي في ربطه الماضي بالحاضر، وكان بإمكانه أن يبدأ القصة من جلوس العم حسين المدبولي في الكافتريا لان الزمن الوقائعي يرصد وجوده هناك وتفكيره في شراء «قطعة كرواسون وفنجان كابوتشينو» وكانت النهاية انه خرج دون تحقيق ذلك لأسباب مالية قاهرة..

ولو كانت القصة بأن البنك لم يصرف له الشيك لخطأ في الاسم مثلا.. لكانت نهاية تتناسب مع ما أراد الكاتب توصيله للقارئ عن الأوضاع الصعبة لهذه الشرائح الاجتماعية. أما المنحى الثاني الذي جنى فيه على القصة فهو في الإسهاب والوصف المبرر وغير المبرر وتحميل القصة أكثر

مما تحتمل ومع أن القصة تحكي عن مصور فوتوغرافي بسيط يلتقط صورة لحادث مروع وتصرف له الجريدة ستين جنيها مقابلها، إلا أن الكاتب يتجاوز الحديث عن هذا الحادث ويغوص في الشرائح الاجتماعية وأعماق الذات البشرية والفوارق التي تولدها الجغرافيا كمكان وكروح.. وان كان ثمة تساؤل هل المصور الذي يطل على التقنيات وعوالم من الصور يكون كأي ريفي او فلاح في نظرته للمدينة أيضا؟

أقرب للأفلام

يقترب علي بريشة في بعض قصصه من أسلوب السيناريو ويمر على الأمكنة ـ في وصفه خاصة ـ كمرور الكاميرا وان كان ذلك لا يخدم الأحداث أحيانا إلا انه يدل على عين لاقطة وأحاسيس مرهفة ولكن في بعض القصص يكون البناء ككل والمضمون اقرب إلى حكاوي الأفلام منه إلى فن القص كما هو الحال في قصة «مؤتمر صحافي» التي تبدأ من أجواء التغطيات والمتابعات الصحافية

وتعود إلى عالم الجامعات وكلية الإعلام والعلاقات بين الطلبة.. وكيف أن فتاة رسبت في الثانوية وكذبت على والدها وقالت له إنها نجحت وتدرس في كلية الإعلام.. وكيف انتحلت اسم زميلتها «نهى عزمي» التي التقاها في المؤتمر و.. وهكذا.. قصة اقرب إلى الأفلام التقليدية ولا تختلف من حيث الإسهاب والوصف عن سابقاتها وان كانت تتكثف فيها الأحداث الواقعية أكثر من السرد.

ما يميز قصة «بيسان» شاعريتها ورهافة الالتقاط والخلط بين ما هو طفولي رقيق وما هو سياسي جلف.. والأجمل هو انتصار عفوية الطفولة.. فتاة اسمها «بيسان» الخيط الأول للقصة يشتغل على الاسم ومعناه وإشكالية لفظه، وان كان الموضوع مطروقا من قبل،

إلا انه صب في خدمة القصة.. الخيط الثاني عن عصفور ازرق يصادق هذه الفتاة.. والخيط الثالث عن رموز السلطة والانتخابات وكيف يطلبون من بيسان إلقاء قصيدة مديح ترحب بالضيوف الكبار كالوزير والمحافظ والمدير لكن بيسان تلقي قصيدتها عن عصفورها الأزرق.

ومع وجود ثلاثة خيوط إلا أن الكاتب استطاع بلغة رشيقة وضبط لزمن السرد أن يحمل القارئ المتعة والوخزة بتماسك واضح لكل عناصر القصة بدءا من العنوان وحتى الخاتمة. مقالة «بانوراما» التي تعقد مقاربات بين السفاح والضحية أو الشرطة والمجرمين..

ويعود الكاتب دون «أحداث» لطفولته عبر تصورات عن مهنة القتل.. مجرد مقالة لا تمت إلى القصة القصيرة بصلة.. ومع أن لغتها متينة ومكثفة وفيها أبعاد نفسية وفلسفية لتلك العلاقة الجاذبة النافرة بين الجلاد والضحية من جهة، فإن الخاتمة لا تمت إلى المقالة من جهة ثانية، فنهاية السفاح هي السجن

ولكن أن يكون السجن هو غرفة رئيس التحرير فهذا يثير سؤالا لا يجيب عنه إلا صاحب المجموعة. القصة الأخيرة «أنا.. وزنوبيا» تربط بين ملكة تدمر والحصار الذي تعرضت له، وبين احتلال القوات الأميركية للعراق..

ومن خلال المقارنة ما بين الحربين يستحضر الكاتب من يشاء ويغيب من يشاء في زمان ومكان محددين وذلك أثناء وجوده في السيارة يسمع فيروز حين تتحدث باسم زنوبيا.. ويسمع الأخبار حين تتحدث عن العراق.. وهنا يظهر بوضوح أن الشغل على الفكرة هو الأساس أكان ذلك يتناغم مع البناء القصصي أم لا.. وتكون الخاتمة أنه استبدل شريط فيروز بشريط «المكوجي المشروخ شعبان عبدالرحيم.. وأغنية أنا بكره إسرائيل».

ما نستطيع قوله أخيرا إن هذه المجموعة القصصية يغلب عليها التجريب من حيث البناء واللغة والموضوعات والتعامل مع ضمائر الروي.. وان دلت في اغلبها على وجود صدق فني لدى الكاتب فإنها تحتاج إلى الالتزام بمقومات القصة القصيرة كجنس أدبي مستقل لتكتسب تسميتها على الأقل.

محمود أبو حامد