السلام الداخلي للإنسان مع نفسه ومع من حوله كان موضوع الندوة الثقافية التي عقدت بالقاهرة التي جاءت تحت عنوان الكتاب والثقافة طريق السلام، حاضر فيها مجموعة من الكتاب والمفكرين والمتخصصين في علم النفس والاجتماع، والذين أكدوا على أن مفهوم السلام الذي قد يسيء غالبية الناس فهمه باعتباره يشير إلى السلام مع الأعداء، بينما المقصود منه هو الحياة في سلام بعيداً عن العنف الذي استشرى في المدرسة والشارع والجيران

بل وفي الأسرة ذاتها، بعدما أصبح العنف هو السمة الغالبة على مجتمعاتنا العربية، ودعا المتحدثون إلى ضرورة التصدي لهذه الظاهرة وتقويم هذه السلوكيات السلبية حتى لا يتفاقم الأمر ويصل إلى درجة قد لا تتمكن مجتمعاتنا من مواجهتها، واستشهدوا بالمجتمع الأميركي والتيار العام السائد فيه، والذي يشجع على انتشار العنف ورد العدوان بالعدوان، والذي وصل إلى حد اقتتال الطلبة داخل المدارس بل واستخدام الأسلحة النارية.

بدأ الحديث في تلك الندوة الكاتب يعقوب الشاروني رائد أدب الأطفال في العالم العربي، والذي أشار إلى قصة سبق أن قام بكتابتها منذ نحو عشر سنوات، وكان محورها الأساسي أنه لو عرف المعتدي إن عدوانه كثيراً ما يقضى عليه هو نفسه، لتردد ألف مرة قبل الإقدام على فعله، وهو ما يؤكد أن العنف في النهاية لا يؤدي إلا إلى دمار.

فلسفات عدائية

وأشار الشاروني إلى خطابات نهر وإلى ابنته أنديرا، والتي توضح فيها إلى غلبة العقل البشري الذي حل محل القوة الجدية التي كان يعتمد عليها الإنسان البدائي الأول، وعلى الرغم من أن النماذج السابقة وتؤكد على أن الغلبة تكون بالحوار والمناقشة، والتي تحقق ما لا تحققه أساليب العنف، إلا أن الشاروني يشير إلى ظهور العديد من الفلسفات التي تنصب على العنف كوسيلة للانتصار،

وأن في عودة الإنسان البدائي الأول الحل للعديد من القضايا الشائكة التي يعاني منها بنو البشر، وهو ما تؤكده سياسات الدول الكبرى التي تعتمد اليوم على العنف على نحو ما حدث في العراق، وأفغانستان، من قبل الولايات المتحدة الأميركية، والتي جاءت لتقضي على الإرهاب بالعنف الذي ازداد انتشاراً في مختلف أنحاء العالم مع ظهور العديد من الجماعات الإرهابية الجديدة،

ودعا الشاروني إلى سيادة ثقافة السلام التي تقوم على الحوار والمناقشة والإقناع في تعاملنا مع الآخرين بدلاً من فرض الرأي الواحد بالقوة أو التهديد، وإنها تعد الحل الأمثل لما يواجهنا من مشاكل وخلافات عن طريق التفاوض وليس العنف، وأن أول مبدأ فيها هو قبول الآخر المختلف عنا سواء في السن أو الجنس أو الدين أو اللون أو العجز، وألا نجعل من هذا الاختلاف سبباً لوضع حواجز بيننا وبين الآخر،

كما أن المحب للسلام يتعصب لمعارفه أو أصدقائه أو لمن يتبادلون معه المصالح، ولا ينحاز لمجموعة ضد أخرى، وكذا فهو يميل إلى التعرف على ما هو جديد بقلب وعقل مفتوح، وأن المعرفة الحقيقية هي الأساس لتقبل الآخر والعيش معه في سلام، كذا يجب تجنب ما يجرح مشاعر الآخرين أو يتسبب في إحساسهم بالمهانة أو الألم، وتقبل وجهات النظر الأخرى واحترامها حتى لو اختلفنا معها، وكذا احترام ممتلكات الآخر حتى يسود السلام الاجتماعي بين أفراد الوطن الواحد.

المرونة والتسامح

ويضيف الشاروني أما عن التفاوض وحل الصراعات بالحوار والتفاهم، فهو يتطلب منا عدم التعسف في التمسك بإدانة أخطاء الآخرين، وكذا البحث عن أرضية مشتركة بيننا وبينهم، خاصة في مجال المعتقدات الدينية والسياسية، والاجتماعية، وتعلم المرونة والتسامح لحل المشاكل بالطرق السلمية والابتعاد عن أي سلوك فيه شغب أو عنف وعدوان على الآخر، وأخيراً حتى نحافظ على السلام الاجتماعي،

فإنه لابد من تدريب أنفسنا على التعاطف الواعي مع الآخرين، ومد يد العون والمساعدة لهم، والمساهمة قدر استطاعتنا في العمل التطوعي خاصة عن طريق المشاركة في الخدمات التي تقدمها الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، ويؤكد الشاروني أن المجتمع الذي تسوده هذه القيم والسلوكيات، هو المجتمع الذي نجح في الاستفادة من طاقات أفراده وإمكاناتهم ولا يبددها فيما لا يفيد.

العنف الأسري

ويحذر د. شريف الجيار أستاذ النقد العربي جامعة بني سويف من العنف الذي أصبح جزءاً من أسلوب التربية في المجتمعات العربية، والذي اعتبره من أخطر القضايا التي ينبغي علينا التصدي لها وعلاجها، خاصة وأن بعض الآباء يرون في العنف أفضل وسيلة لتربية الأبناء،

بينما العلم أثبت أن العنف لا يورث الأبناء إلا العنف، وإنه بالتالي السبب المباشر فيما يسود الأسرة والمجتمع من عنف، وكذا المفاهيم الخاطئة التي يتلقاها الطفل عبر هذه الوسيلة، وإنه في حال اختلافه مع الآخر فى الرأي لابد من الرد عليه بالعنف والعدوان، وهو الدرس الذي يتلقاه الطفل على يد أبيه الذي يقوم بضربه إذا ما أخطأ أو اختلف معه في الرأي.

ولذا ينبه د. شريف إلى دور الأسرة كمحك رئيسي في تنشئة الطفل السوي والأم، خاصة والتي ينبغي عليها أن تكون على وعي قبل الزواج بالتربية الصحيحة لأطفالها في المستقبل.. مشيراً إلى أن المعرفة حق لكل شخصية إنسانية، حق للطفل، الأم، الأب، الأسرة والمجتمع بصفة عامة إلا أنه ينبه إلى أن المعرفة المطلوبة هي التي تقوم على التنوير وليست الإباحية المنتشرة عبر الوسائط الحديثة،

وأن يكون اعتمادنا الأول على تراثنا العربي بما يحمله من قيم، والإطلاع على الثقافة الغربية وأخذ ما يتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا، والمزج بين الثقافتين لنحدث ما يعرف بالنهضة الثقافية العربية التي تقوم على الميراث وكل ما هو جديد في الغرب، كما ينبه إلى أن ميل الطفل الفطري إلى العنف قد جاء نتيجة معاناة الأم أثناء فترة حملتها من أزمة نفسية، أو مشاكل أسرية،

مما يجعل الطفل ينشأ ولديه استعداد فطري لاكتساب الانفعالات والأزمات، ولذا فهو يحذر من أنه مهما كانت الضغوط التي تعاني منها من قبل المجتمع، فإننا كأشخاص متحضرين ومثقفين، لابد أن تكون لدينا القدرة على التحمل والصبر، ووضع البدائل في الحياة أكثر من الشخص العادي أو المعاق، ويشير د. شريف إلى إحدى الدراسات العلمية التي وجدت أن الطفل الذي اعتادت والدته سماع الموسيقى أثناء فترة الحمل، فإنها بعد الولادة إذا ما ابتعدت عنه وبدأ في البكاء،

فإنه لا يلبث أن يستعيد هدوءه سريعاً عند سماعه الموسيقى، وذلك بخلاف الطفل الذي اعتاد سماع الشجار بين والديه والذي ينشأ بالتالي سريع الغضب والانفعالات ولديه بالتالي استعداد فطرى للعدوان والتدمير، ويشير إلى الأسلوب التربوي السليم الذي ينبغي علينا اتباعه من الإنصات للآخر وسيادة لغة الحوار والتواصل والتعاون والمشاركة بين الزوجين،

ولذا فإنه من الأهمية أن ينشأ الأطفال على فكرة الحوار والمشاركة وقبول الآخر حتى لو اختلفنا معه في الرأي، حتى يكتسب الخبرة والحنكة في حواره مستقبلاً مع الزوجة، أو الطفل، أو الزميل أو الرئيس في العمل، وإن هذه الخبرة لا ترتبط بالعمر، وإنما ترتبط بمدى وعي الإنسان وثقافته.

الحوار مع الأبناء

ومن جهته أشار د. إسماعيل عبد الفتاح أستاذ أدب الأطفال والإعلام التربوي، إلى منظومة التنشئة المتكاملة ودورها بدءاً من الأسرة والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام المختلفة، ودور المسجد والكنيسة، الأصدقاء في النادي والمدرسة، مشيراً إلى أصدقاء السوء وتأثيرهم السلبي في ظل انهيار الأسرة في العالم أجمع،

والذين يمكن أن يدفعوا الأبناء إلى الخطأ والتمرد على الأهل خاصة في فترة المراهقة، ولذا فإنه من الأهمية وعي الأهل بهذه المرحلة والتواصل والحوار مع الأبناء واستيعاب النمو الفكري والثقافي لهم، وتشجيعهم على الاعتراف بالخطأ حتى يمكن تصحيحه والتعلم منه، وإنه لمن ينتقص من قدرهم شيئاً.

انتقد د. إسماعيل بعض القائمين في مجال التعليم سواء المعلمين في المدارس، أو أساتذة الجامعة واتسامهم بالتجهم الدائم كنوع من الجدية ودفع الغلبة إلى احترامهم، وإنه من الممكن تحقيق نتائج أفضل في حال تحليهم بالبشاشة والصبر والتفهم مما يؤثر في سلوكهم إيجابياً باعتباره قدوة لهم.

خدمة (وكالة الصحافة العربية)

القاهرة ـ نهال قاسم