رندة مداح، نور عسلية، يامن يوسف: نحاتون شباب، غادروا في سبتمبر الماضي، محترفات قسم النحت بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وفي جعبة كل واحد منهم، مشروعه النحتي الخاص والمتميز والواعد والمتفوق، لأنهم مسكونون بالفن، وتوجههم موهبة حقيقية، اتضحت وتبلورت في محترفات قسم النحت، ويمتلكون الرغبة والإرادة والتصميم، على متابعة الرحلة، في أقاليم فن النحت الصعب، الشائك، والساحر.
تنادى النحاتون الثلاثة لإقامة معرض خاص بأحدث نتاجاتهم مؤخراً في صالة دار المدى للثقافة والفنون بدمشق، ضم 13 منحوتة منفذة بتقانات مختلفة منها: البرونز، البوليستر، الأسلاك والخردة، عالجت موضوعات لافتة في بعدها الدلالي، تمحورت حول الإنسان والجمل، والتجارب الثلاث تتخذ من الصيغة التعبيرية المعجونة بالشكل الواقعي، وسيلة التعبير عن هذه الموضوعات.
فالفنانة رندة مداح المولودة في مجدل شمس بالجولان العربي السوري عام 1983، شاركت بأربع منحوتات عالجت فيها المرأة ضمن وضعيات الاستلقاء والجلوس، إنما بطريقة تبوح بالكثير والمعاني يتداخل فيها الواقع بالخيال، والجمال بالبشاعة، والغرابة بالألفة، والعفويّة بالقصديّة، لنجد أنفسنا في النهاية، أمام كتلة نحتيّة محكمة البناء.
أما النحاتة نور عسلية المولودة في السلمية عام 1984 فقد شاركت بأربع منحوتات، عالجت فيها الجمل، أو تفاصيل منه، نفذتها من البوليستر والخردة (أسلاك، مسامير، براغي، معضلات، مسكات باب.. الخ) وهذه العناصر المضافة إلى المادة الأساسية (البوليستر) تقتصر على بضعة أعمال،
بهدف خلق حالة من المفارقة أو المقارنة، بين حضورها في العمل الفني وغيابها عنه، تعميقاً وتدليلاً، على معانٍ تريد نور إيصالها إلى المتلقي، تنتصر فيها لهذا الكائن الصبور الذي تراه مؤهلاً لدور آخر في الحياة، غير حمل الأثقال والإنسان واجتياز الصحاري والقيافي.
الفنان الثالث يامن يوسف شارك بأربع منحوتات منفذة من البرونز عالج فيها المرأة (رأس مع يد) والمرأة هذه (كما لدى زميلته رندة مداح) ضخمة الجسم، مخيفة الملامح، تجابه المتلقي بنزق وتحدٍ واستفزاز، لكنها راسخة، قوية، وتعاني من سجنها الأبدي (الجسد) الذي يراه يامن أنه ليس دائماً جميلاً وشهياً ومرغوباً، بدليل هذه التضاريس الصلبة المكّونة له، والملامح البلهاء التي تعلوه.
التجارب الثلاث واثقة، واعدة، أخذت طريقها مبكراً إلى صالات العرض والتواصل مع المتلقي، خارج المحترفات الأكاديميّة، ما يؤكد أنها قادمة بقوة إلى ساحة التشكيل السوري المعاصر، وإلى ساحة النحت منه بشكل خاص، هذه التي تنتظر المزيد من التجارب المسلحة بالموهبة والخبرة وشهية الابتكار الجديد والجميل والمعبّر.
د. محمود شاهين