تغيب المدائن بأناسها وبيوتها وأزقتها وراء الورق، ثم تبزغ كائنا حيا يتنفس لغة الحياة والسياسة، وتبزغ معها ملامح إنسانية تخبئ في ثناياها قصائد ذات منحنى فلسفي للشاعرة سعدية مفرح في ديوانها الخامس الذي صدر مؤخرا بعنوان «تواضعت أحلامي كثيرا» عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

ثمة نسيج متجانس يكاد يجمع أسلوبية الشاعرة سعدية مفرح عبر دواوينها الخمسة، سواء كان ذلك على صعيد اختيار المفردات أو الإيحاء الدلالي أو حتى المضمون المفعم بشتى الأحاسيس إلا من الفرح الكبير.. شئ ما يغلف القصائد بحزن شفيف وحين لا يكون ذلك تترك الشاعرة روح القصيدة الرومانسية تحلق في فضاءات المكان الورقي الذي يحتوي على سبع عشرة قصيدة تتنوع طروحاتها

وتتعدد في منحى وجداني تارة ومنحى عاطفي وفكري، في بعد درامي، وتلك ميزة توجدها الشاعرة في قصائدها، فقد نلمح أحيانا قصيدة بفحوى قصصي ليشعر المتلقي انه أمام حكاية صغيرة جدا ولكنها عميقة جرى تكثيفها ببراعة إلى مقطع شعري.

ويرتبط العنوان لديها بمضمون القصيدة ارتباطا عضويا ويشي بمكنونات النص المقبل، حيث تختار الشاعرة بلاغتها الخاصة في تجزئ الحدث الكبير وتحويله إلى عنوان ثم يظهر المقطع الأول في القصيدة على شكل استهلال وتمهيد لاستدراج القارئ إلى خاتمة مباغتة ومفاجئة في تصورها لما كان يدور في متن النص.. وكوننا نورد عبارات مثل متن وخاتمة فهذا يؤكد ذلك الشعور الحكائي الذي يتولد في داخل المتلقي.

القارئ لقصائد الشاعرة سعدية مفرح يدرك تماما أن القصيدة هي التي تختار شاعرتها وليس العكس.. ذلك أن الكلمة لديها تبحث عمن يصوغها بهذه الأسلوبية تحديدا وهي أسلوبية ذات منحى فلسفي أحيانا، أو على الأقل تنهل من نظريات علم النفس.

السمة الأخرى التي تغلف بها الشاعرة أسلوبها هي بساطة التفرد، أي ان القصيدة تمتاز ببساطتها الصعبة:

البداية ذاتها

تتكرر كل مرة

كلما أردت أن أبكي

كلما تذكرت مشهدا منسيا من طفولتي

كلما تركت قلبي على مقعد يرقب ما يجري أمامه

ويبتسم ساخرا من حذري المبالغ فيه

كلما استمعت إليها تغني «الحب كده»

نعم.. البداية ذاتها بالضبط.

ــــ

القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها تحمل عن جدارة دلالتها اللغوية و الموضوعية، فمن حيث الطرح الشكلاني تحاول الشاعرة أن تحقق اتساقا بين إيحاء المضمون (تواضع الأحلام) وبين تركيبة الجملة الشعرية، أي أن البساطة الصعبة التي أشرت إليها قبل اسطر تتجلى بأوضح صورها في هذه القصيدة :

أريد أن أتخلص من كل ما يعيق دمعتي عن هدفها المؤجل

أو نقطتها الأخيرة على السطر

ــــ

أريد أن اغني

دون أن اضطر لتأليف كلام

أو ارتجل لحنا

أو ارفع صوتي.

ــــ

أريد مظلة مزينة بقرنفلة

وكتابا مفتوحا على الفهرس

وأصابع تجيد نقر لوحة المفاتيح..

وللدلالة على النسق الأسلوبي الذي تعتمده الشاعرة سعدية مفرح في أشعارها السابقة والحالية نلمح طرحا تصر عليه الشاعرة في كل ديوان، كبحثها عن غرفة صغيرة تعلق على جدرانها لوحاتها ومدينة تلون شوارعها ودفترا إنسانيا للمرور في هذه البلاد المترامية الجغرافيا..

الضيقة الاستيعاب وهذه طروحات لا تزال قائمة في ديوانها الجديد ولكن بنضج اكبر روح تواقة لفضاء بعيد أكثر إقناعا وتفاعلا..وفي هذه القصائد تحديدا يتجلى الحس الإنساني في أقصى حالاته وتنهمر المفردة طائعة غير منجزة حرفيا بقدر ما هي مغموسة بمكنونات ذاتية مرهفة التدفق..شديدة الوعي.لذلك نجد أن المفردة تأتي هادئة لكنها مؤثرة لا انفعال غير مبرر فيها بقدر ما هي موقف مهم وجرئ :

كل يوم ارسم شارعا جديدا

أظلل امتداده بالنخيل

ألون رصيفه حجرا حجرا

أسوي اسفلته بحنين أصابعي

واروي حشائشه بفيض قصيدي

أتممه خلوا من أي إشارة للمرور

وفي مقاطع أخرى تقول:

أريد شجرة تغني

وعصفورة تهادن الريح

وبحرا يكتب مذكراته كل فجر

وجواز سفر صالحا في كل المطارات.

ــــ

أريد كرة أرضية ارسم خريطتها

وفقا لتضاريس وجهي

واشق أنهارها وبحارها على طريق دمعتي.

ومثلما هو الأمر بالنسبة للأوطان والشوارع والبلاد فان مفردات الامس تعنى بها الشاعرة سعدية مفرح اعتناء شديدا بل وتحتفي بها في مختلف دواوينها، فثمة حنين يدب بصيصه في قريحتها محضرة معها زمن مضى لكنه عالق في حنايا الذاكرة..

مورقا في حقول القلب بحالة وفاء نادرة وشديدة تجعلها تسخر حتى من مفردات العصر وتستنكر وجودها وتشكر الوقت على أن هذه التكنولوجيا والتقنية جاءت متأخرة كي لا تحرمنا من ارض خصبة تكون رافدا في يوم من الأيام لذائقتنا الإبداعية وخصوصا عندما تتحدث عن الفرق الشاعري بين الرسائل الورقية التي تحمل لنل رائحة مرسلها وبين الايميل الباهت:

كيف لي أن اشم رائحة الدخان المستكينة

على الورقة المطوية ؟

كيف اتمم رسوم الهامش الكاريكاتورية ؟

كيف أخمن المشطوب في سبيل حساب آت ؟

.........

شكرا أيها البريد الالكتروني

انك أتيت متأخرا.. إلى حد ما.

حالة ألق موغلة في دهشتها تقدمه الشاعرة سعدية مفرح في ديوانها الجديد مواكبة بذلك مستجدات الحياة بنظرة تحليلية اكثر من كونها مجرد قصيدة ينتشي قارئها، فهي حالة ثقافية واجتماعية وسياسية وإنسانية متكاملة تأتي في رداء قصيدة.

كتب عدنان فرزات