بعيداً عن الأضواء والأصداء الإعلامية، تتابع عائشة أرناؤوط بصمت إنتاجها الأدبي، تكتب كثيراً وتنشر قليلاً، فلقد صدر لها أربع مجموعات شعرية ما بين أعوام 1981- 1995، واستطاعت عبرها أن تؤكد حضورها في المشهد الشعري العربي المعاصر بكثير من الرصانة والجدية، حيث ساهمت مع غيرها من المجددين بالانتقال بالقصيدة العربية على آفاق بعيدة في الحداثة، بجرأة تعاملها مع اللغة وبصرامة ممارستها المتجددة في الشكل.

شاعرة للإنسان ومن أجل الإنسان، ليس بالمعنى الفردي ولكن في إطاره المجتمعي والحضاري والروحي وهذا ما جعلها تلامس في شعرها بين الهم العام كما في مجموعتيها (الحريق) و (الوطن المحرّم) حيث عنف التناول وغرابة الصورة ورموزها المكهربة وبين الهاجس الخاص في مجموعاتها الأخرى،

ذلك الذي يرتبط بالوجود والوعي ويتموضع في حالة من التأمل الذاتي الداخلي لتعميق أسس انتمائها الوجودي والكوني، مدعوماً بمعرفة علمية صرفة، نتيجة اهتمامات الشاعرة، حيث نتلمس بوضوح تجلّي بواكير هذا التوحد. هذا ما جاء في كلمة دار كنعان للدراسات والنشر في مجموعة عائشة أرناؤوط (حديث العناصر)

يقول إليوت (الشاعر جلاد رقيق للغة) حيث كان وما زال الشعر اشتغالاً روحياً على الإنسان تارة، وتارة أخرى على اللغة، لتجده في مسافة ما من أرض الكتابة (لحظة انعتاق كبرى) من تلك الأزمنة التي تغلقنا وتحيلنا رماداً بلا رنين، وهو بحد ذاته عملية نصية بالمقام الأول قائمة على تفجير اللغة والروح والأشياء والحلم معاً، من خلال خلق لغة متحركة تليق بضرورات القول وما نشتهي أن نقوله في غابة من الكلمات الراحلة، مخلفة وراءها جفن دمعة ذبلت وخصلة فرح لم يولد بعد.

في حديث العناصر تفتتح عائشة ارناؤوط أوراقها الشعرية من هواجس وإيحاءات تغلب عليها عاطفة معذبة ذات انفعال شديد التوتر نراه يتحرك تلقائياً مع حركة النص المدهشة، من خلال لغة حاضرة بقوة، لتؤكد لشيء واحد هو صيرورة القول في المغايرة والابتكار والكشف،

بوح مضيء من شرارة كلمة صادقة مشتهاة في العبور إلى ما وراء الكتابة والهاجس الحتمي للتناغم مع الآخر الذي يشكل حضوره في النص شاهداً وجدانياً طاغياً معذباً يحمل في صوته دلالات ذات شغف إنساني سرعان ما يلتحم بجسد النص الشعري، ويغدو القول أنشودة ترصد عذابات إنسان يعشق، يتمرد، يحب، يبكي، يشتهي، ثم يحلق وحيداً إلى أعالي البراءة وسحاب الكلمات المبتلة بعناصر الشوق والتمني.

إنه الخصب، بل انه البهاء المعرفي الذي أتاح لعائشة أرناؤوط ترويض نصها الشعري لتمنحه وردة من أمل لا يغادر وشهقة تسمرت على فؤاد يحلم بما وراء الحلم، أشبه ما يكون بأغنية أنثوية دافئة تعمل على إشعال طاقة الحرف النثري وتجعله مضيئاً من خلال ذلك التجانس اللامرئي بين ما تفكر به وما توحي إليه.

ولا شك أن هتاف البوح في حديث العناصر ليؤثث لمدامع أنثى الغربة المسكونة بالرغبة والوحشة وطقوس التخلي المرعب والأشياء، أو أنثى الحياة التي تصهل فوق أديم القصيدة، رغم تأجج الأوردة بالفقدان وهو يقترح المحبة قميصاً دافئاً لجسد حزنها الكبير.

تتراجع الموجة وتعود دون إطار يحبسها

ذاكرة الرمال تتوهج بنكهة الكون

كيف استطعت اجتيازها

بقدمين من السكر المذاب

وبقلب ذابل على ميسم الرماد

علمتك الأزمان أبجدية القلق

الارتياب باليقين، الغوص في دياجير التساؤل

هرولت في مفازة الوجود وقامرت بالبراءة

بزوادة الحنين، بانتظار ما ليس مقبلاً

فالشاعرة تبني قصيدتها لوأد باب الدمع الذي يغني دائماً رغم اغتيال القلب من خلال خطاب تعمق فيه الهجرة إلى بساتين الروح ولتقترب أكثر من روحها الباطنية، لتكشف للقصيدة باب فرحها المؤجل، محققة بهذا التفاعل الإنساني تلك الإثارة المبتكرة والبوح الصادق من خلال لغة تشتعل بها وإليها، ونوافذ بصرية محترفة كاشفة عن جغرافيا امرأة تقترب من الحقيقة،

كلما اقتربت أكثر فأكثر من غربتها البعيدة، ليلتصق ماء الوحشة بالشعر الذي يوقد يباب الذاكرة وحطب المخيلة المضيء، حيث مسقط القلب الأول وهو يفتتن الوداع، أفقاً حقيقياً لانصهار الغروب والمحنة والتخلي، لتكون مسافات الحب هي المسافات الأقرب في بوح عائشة أرناؤوط، فثمة عناصر تتحد معاً، عندما يتعلق الأمر بالحب وبالإنسان وبتلك الأشياء التي هي فوق الحب والإنسان ،

(الوله الصوفي، لقيا الأمل، توهج العدم، وحرير المحبة الأخير) وهي لدلالات لتؤثث لأشبه ما يكون بلوحة تشكيلية تجتهد فيها ذائقة الشاعرة لجعلها صورة حية ومتحركة، عادة ما تكون مرهونة بفعل التمني وإقصاء محطات العشق والرغبة والوصول،

وكأن انكساراً لا يلتئم، يتسع شرخه شيئاً فشيئاً على الذات المأزومة وهي تحاول النهوض بواقعها المصلوب وتغريبة فرحها المنتظر الذي يمتزج بحرقة مع ورق الروح والقلب والحلم، الحلم الذي يتسع دائماً لتلك الجذور التي تأبى النزوح عن خلايا المحبة والتوجع والهطول.

صورتي القديمة

تتشبث بمكانها على الحائط

لتذكيري أن ما يفصل بيننا حياة حافلة

آلام اللب وبهجة القش

حرير الكمائن لاستشراف النجوم

مخمل الظلمات للتّبَوّغ في النور

حيرة البراعم في يقين الشك

الهرقطة واستباحة الروح

ثم الفناء في الوجد

بحميمية ناصعة كالثلج وبسياق تفاعلي هائل يدفع بكل مكونات القصائد إلى بناء المعنى المنشود، تعلن عائشة أرناؤوط انتماءها إلى مدائن الصفاء الشعري بعد أن اكتوت بنار التجربة وحرقة الفقدان وأثير المضامير القديمة، قالت يوماً (أن الشعر مبرر وجودي وجوهره) وحقاً انه لكذلك، بعد أن استطاعت ملامسة العصب الإبداعي العام في عوالم الكتابة المضيئة وشيئاً حافلاً من روحها الملأى بالتغرب والتشظي والأمل رغم بكائيات أزمنة التمني والتدفق والخلاص.

قاسم سعودي