اختتمت الأسبوع الماضي فعاليات الموسم المسرحي الصيفي الثاني في قصر الثقافة بالشارقة، وسط حشد جماهيري حافل لم يتوقف على الليلة الأخيرة وحسب، بل واكب العروض المسرحية طيلة الموسم.. واللافت أن الآراء التي اتفقت في غالبيتها على أن ثمة إشكالية مزمنة بين الجمهور والمسرحيين في دولة الإمارات، تضاربت حول هذا الكم الكبير من الحضور المميز..
فمنها ما اعتبر الموسم يؤصل لعلاقة جديدة بين الطرفين، ومنها ما رأى في الموسم امتداداً لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، وما حدث هو فعل تراكمي لجهد متواصل من قبل الجهات المسؤولة والمسرحيين والإعلاميين أو الإعلانيين... وفي المقابل ثمة آراء عبرت عن دهشة أصحابها، وعن مفاجأتهم بهذا الكم الكبير من الحضور...
ومع كل تلك التباينات، لابد وان تظل جدلية العلاقة هي المقياس الحقيقي لاستمرارها... وللإنصاف إذا نظرنا للساحة الإبداعية ككل، لا بد أن نقر بأن الحركة المسرحية هي الأبرز، فلم نسمع عن أمسيات مشتركة لشعراء أو قاصين أو روائيين إماراتيين منذ عدة سنين..
في كل الأحوال إذا كان علينا العودة إلى الوراء، فمن الضرورة أن تكون هذه العودة للحفاظ على تلك العلاقة التي تشكلت كظاهرة، والارتقاء بها من جهة، والارتقاء بالذائقة الجماهيرية من جهة ثانية، وهذه المسؤولية كبيرة على كل الأطراف أن تتقاسمها بحذر ودراية، فبين متعة الفرجة وإرضاء أغلب الأذواق وطرح مواضيع إنسانية جادة مسافات دقيقة وحساسة جداً، وأبعاد شفافة تحتاج إلى دراسة باستمرار، لأن أقرب الفنون إلى مشاعر الناس هو المسرح، وإن كان من السهولة خدش العلاقة معهم، فمن الصعوبة رتق تلك العلاقة..
طبعاً الحديث عن الطرف الآخر مهم أيضا، فعلاقة المسرحيين مع الجمهور تغذي مساحاتهم الإبداعية، وترتقي بإنسانية موضوعاتهم من خلال صلتهم بهموم الناس ومسهم المستمر لحرارة صدورهم وتواترات نبرات أصواتهم وعمق ضحكتهم ومرارة ابتساماتهم... وتبلور موهبة الممثلين وتجذر خبراتهم وتعمق تجاربهم، فالجمهور مرآة الممثل الصادقة، و«تيرمومتر» المخرج، ومرجعية الكاتب وسر نجاحه.
وبالعودة إلى الوراء خطوة من أجل خطوتين إلى الأمام، نلاحظ في الأعمال المسرحية، تكرار بعض المفردات والموضوعات وحتى الشخصيات في أكثر من عمل. وبعيداً عن التسميات، ثمة مفارقات مشتركة تتناول اللعب على لون البشرة، ومفارقات سياسية سطحية تتحدث عن أميركا وتسمي رئيسها..
وأيضا موضوع الجنسية الإماراتية والـ «بدون» يتكرر في أكثر من نص، أكان موضوعاً رئيسياً أو من أجل التهكم والكوميديا.. وموضوع علاقة الأبناء بالآباء ووضعهم في المصحات أو دور العجزة، وقد وصلت ببعضهم أن صفع والده.. هذا مع تكرار الشخصيات المشتركة بكثرة، وخاصة العميان منهم..
ولا يسعنا أخيراً إلا أن نتمنى أن تجدد الفرق المسرحية باستمرار ذاتها ونصوصها وتساهم في تمتين العلاقة مع الجمهور على أسس فكرية وإنسانية راقية، تسطر في تاريخ التجارب العربية المسرحية ظاهرة إماراتية مميزة.
abuhamed @ albayan.ae