وأنا أتابع الأحداث وما تناقلته الوكالات والمحطات الفضائية من أخبار عن انتهاء العدوان وتوقف سعير النار والحقد.. قفزت إلى مخيلتي ما رسمه «ناجي العلي» ذات صباح، عندما اكتشف أن كل البيوت في «بيروت» جريحة، مصابة، وقد أضيفت إليها شبابيك جديدة، الأمر الذي دفع «حنظلة» ليقدم لها «وردة» عبر الفجوة التي أحدثتها قذيفة طائشة، مع عبارة «صباح الخير يا بيروت».

ربما هي سخرية التاريخ الذي يصَر في كل مرة على تكرار الأحداث والتفاصيل، مع فارق التاريخ والزمن الذي يبدو أنه توقف كما توقفت أحلامنا بغد واعد مشرق، وكما توقف «حنظلة» في منتصف الطريق فبقي عالقاً في ذاكرتنا ومخيلتنا يأبى الرحيل، علَه يريحنا من تأنيب الضمير، يوم نعى لنا والده الذي قال عنه: «هذا المخلوق الذي أبدعته لم ينته من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت إنني قد استمر به بعد موتي».

وبالفعل بقي «حنظلة» موجوداً في كل لوحة من لوحاته، يراقب ما يرسم، كما يراقب عثراتنا التي لا تنتهي، يشيح بوجهه عنا، لأنه أصيل لا يحتمل ما فعلناه بأنفسنا عبر سنوات الرحيل، يرفض حتى أن يشي بنا إلى أبيه، ليفضح فضائحنا التي لا تنتهي ويعري ذواتنا التي عذبها صمتنا المريع.

من بلدة «الشجرة» في فلسطين، إلى مخيم «عين الحلوة» في لبنان، إلى الجزائر والكويت وبيروت، وأخيراً لندن التي شهدت آخر إبداعاته يوم غيبه الرصاص الغادر أواخر أغسطس 1987م، و«ناجي العلي» يرسم على جدران نفوسنا ما بقي عالقاً من كرامة،

يرفض أن يكتب الأحاجي ويحرق البخور، ليؤكد كل يوم وكل لحظة انحيازه ـ كما قال ـ للذين يرزحون تحت نير الأكاذيب وأطنان التظليلات وصخور القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات، ولمن يقضون لياليهم في «لبنان» شحذاً للسلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها.

اليوم بدأ «لبنان» ينهض من رماد أحزانه معلناً للجميع أنه وطن الشهداء، وبعد أيام قليلة ستحل ذكرى «ناجي العلي» الذي أحب أهله، وأصدقاءه، وتاريخه، وحياته الكاملة، والذي كتب عنه يوماً قائلاً: «حين أرجع إلى ماضيَ وأتذكر، فأكثر ما أجده هو لبنان،

وحين أكون خارجه في بلد آخر أشعر بالغربة والشوق، قد يفسر هذا تفسيرات عاطفية، لكني أحب لبنان وهذا هو شعوري نحوه، وقد ازداد حبي له بعدما تعرض لما تعرض له»..؟! ما أشبه الأمس باليوم، العبارات والكلمات والأحزان نفسها، فماذا بقي لنا من «حنظلة» أكثر مرارة مما كتبه، وخطته ريشته وأحلامه وهواجسه،

وهل تنفع الذكرى اليوم، لنسترجع غداً صدى الحروف المولَهة بالدمع، ونقرأ عن «ناجي العلي» ونكتب عنه رثاء أنفسنا، كل الكلمات التي حفظناها ورددناها منذ عقود ولم تحرك أحداً.. حينها لن نجد «حنظلة» في انتظارنا ليقدم لنا «وردته المدماة»، ولن يقول لنا «صباح الخير» بعد أن أطاحت به قذيفة طائشة من قذائف هممنا المتقاعسة.

alomawi@albayan.ae