الكاتبة الفلسطينية ـ اللبنانية أميرة الحسيني تسعى في هذه الرواية إلى إعادة قراءة تاريخٍ قريبٍ للشعب الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان.. إلى تاريخٍ عايشناه وتألّمنا لمجريات أحداثه الدامية هناك إبّان الحرب الأهلية التي كانت إسرائيل طرفاً أساسياً فيها، وبذلك فإنّ العنف بالضرورة سيكون محوراً أساسياً فيها، عنف «الطيور الكاسرة»

كما أحبّت الكاتبة أن تسمّيه في لحظة وجدانية صادقة مع النفس، نظراً للجراحات الكثيرة والكبيرة التي أصابت الشعب الفلسطيني البسيط والمسالم بدءاً من لحظة اصطدامه الأوّل مع الشرّ القادم من رحمٍ اصطناعيّ غريب إلى رحمٍ أموميّ أصيل وحميم، ثم ما تلي ذلك من مآسٍ مازلنا حتى يومنا هذا نشهدها سواء داخل الأرض المحتلة، أو خارجها حيث يعيش اللاجئون في بلدان الاغتراب بعيداً عن الحاضنة الأم، وجملة المشكلات العنيفة التي سيلقونها نتيجة لهذا الاغتراب القسري.

وإذا كان العنف العسكري أو الحربي حاضراً بهذه القوة، فإن ثمة عنفاً آخر كامن في العلاقات بين الشخوص، وهو يأتي كنتيجة طبيعية للفضاء العام الذي ميّز تلك الحقبة القاسية من تاريخ بلاد الشام القريب، وسيمارس هذا العنف دوره، على نحو خاص، على الشخصيّة الرئيسة خالد الأيوبي وسارد هذه الحكاية الطويلة التي بلغ عدد صفحاتها 462 صفحة.

فهو كما صوّرته الكاتبة شخصية مأزومة وشبه ضائعة في هذا الخضم الضاغط من الاتجاهات كافة على الشعب الفلسطيني ورجال المقاومة، ولما آلت إليه أوضاع الأخوة والأهل في المخيمات الفلسطينية بلبنان، كـ «الميّة وميّة، وصبرا، وشاتيلا وتل الزعتر...»، بُعيد انكسار الحلم الثوري المقاوم، وتشرذم المقاومة الفلسطينية في مهاجر أخرى.

والدكتور خالد الأيوبي، وبما يشير إليه اسمه من دلالات رمزية ترتبط بالقضية الفلسطينية، هو رجل أكاديمي ومثقف، إلاّ أن ثقافته، مع الأسف، لا تتجلّى على نحو واضح إلاّ من خلال بضع متناصات حوارية فلسفية أو سياسية مطوّلة ترتبط بما هو شائع في أوساط بعض الاتجاهات المحسوبة على هذا الطرف أو ذاك من الفصائل،

وبذلك فإنه يمكن تصنيف هذه الحوارات في خانة الأيديولوجيا واعتبارها بمثابة إقحام على مجريات الأحداث وليست نابعة منها، هذا بالإضافة إلى أن سلوك الشخصية العام لم يعبّر عن فكر رصين تمّت الإشارة إليه في بعض أجزاء الرواية، بمقدار ما عبّر عن سلوكٍ معطوبٍ إنسانياً، وربّما يحتاج إلى عيادة نفسيّة لمعالجته من حالة نفسية ألمّت به فأوقعته بما يشبه هذيان المحموم،

حيث نلتمسه على مدار الرواية باحثاً عن المرأة التي ربّما كـ «بغي أنكيدو» ستنقذه مما هو فيه من قلق، ومن هنا فإن المرأة ستغدو موضوعاً جنسياً بامتياز لذكورة متطلّبة وشبقة حتى وهي على سرير العمليات في المستشفى! وبالإضافة إلى ذلك بروز الأنوية الطاووسية على نحو فاضح في حكاياته التي فتحها للقارئ على شكل مجموعة أطر حكائية شكّلتها سفراته إلى: المجر، بيروت، المخيمات، الخليج، كينيا،

حيث يسافر على الدوام لكي ينفّذ بعض المهام المطلوبة في ما يخص القضية الفلسطينية، ولكن القارئ سيفاجأ أن هذا السفر إنما سيكرّس سردياً لمغامراته الفحولية والجنسية وفي القليل منها للجاسوسية، حيث يتعرّف إليه القارئ في مستهل الرواية مفتخراً ب«دونجوانيته» قائلاً: كنت بحكم خبرتي بالنساء، أزن المرأة من خلال طريقتها في النظر، في مضغ شيء ما، في طريقة المشي..

هذه البنت لفتتني، فأعجبني أسلوبها في المصافحة، تضع يدها في يدك بثقة كبيرة، أما طريقتها في وضع ساق على ساق فهي سحرية ومحتشمة.. هذه المرأة حيّرتني، أنا الذكر الذي يثير شهية النساء أينما حللت.. أنا الرجل القويّ الشهيّ...الخ».

وهو، مع الأسف لا ينظر إليها إلاّ كفحل بإمكانه إشباع رغباتها، وبالتالي فإن النسوة يتهافتن عليه أينما حلّ وارتحل، وبالرغم من كلّ ذلك تبقى ثمة امرأة حلم أسماها وعداً ربّما ترتبط رمزياً بفلسطين، ولكنها على العموم لا حضور فعّالاً لها في الأحداث إلاّ على نحو عابر،

بينما في بيروت تعيش زوجته وأولاده الثلاثة، ينتظرون عودته دائماً لكي يكذب عليهم كذبة صغيرة أو كبيرة، وليكذب على قارئه مزيداً من الكذب في تصوير زوجته على نحو مريع من البشاعة والترهّل والتخلّف، وأن سبب طيشه

وتصرّفاته غير السوية أنما يعود بشكل أساسي إليها لأنها مليئة إلى حدّ الإفراط، وفخذاها سمينان، وبطنها ناتئ ولا شيء جميلاً فيها بما في ذلك روحها وثقافتها وتربيتها الطبقية المختلفة عن أوهام «السيّد اليساري الشرقي». وهذه الزوجة وإن كانت مستلبة على هذا النحو أو ذاك،

إلاّ أنها في الوقت نفسه ستسعى ما أمكنها إلى تعرية أوهام زوجها وغيرته غير الموضوعية عليها، ثمّ تقرر وبشجاعة تركه إلى غير رجعة، لأنه غير جدير بها وبأمومتها. بل وغير قادر على إدارة شؤون منزله، وهو الأكاديمي الذي يحاضر في الناس ويثقفهم، وبذلك فإنها ستسجّل موقفاً مهماً للمرأة الحرة، على العكس من سائر الشخصيات النسائية الأخرى.

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية التي كان من المفترض أن تكون المحور الأساسي للرواية، فإنها بالرغم من حضورها الكبير في الخلفية العامة للأحداث، إلاّ أنها سوف تضيع وتتبعثر في متاهات غابة السرد كنتيجة طبيعية لذلك الاضطراب الكبير الذي عاشته هذه الشخصية القلقة على مدار الرواية، ونعني بالاضطراب هنا؛ التناقض ما بين ذاتين متناقضتين أصلاً: الكاتبة وساردها،

حيث غالباً ما يلتمس القارئ الكثير من التفاصيل الأنثوية ترد على لسان السارد بشكل عفوي، ومن هنا فإننا كنا أميل لو أن السرد قد تمّ بواسطة سارد غير متماه بمرويه أي باستخدام السارد لضمير الغائب، وذلك لفكّ عقدة استعصت ما بين سارد مذكّر وأنثوية الكاتبة،

بل ربّما الأسلوب الأمثل يتمثّل في أسلوبية تعدد الرواة، حيث تتحدث كلّ شخصية من الشخصيات الرئيسية عن العلاقة التي تربطها بخالد الأيوبي والقضية الفلسطينية، وتترك الكاتبة هذه الشخصيات تعبّر عن دواخلها بكلّ حرية وديمقراطية، وخصوصاً زوجته، باعتبارها كانت طرفاً نقيضاً له ولسلوكاته التي كشفته كشخصية تحمل الكثير من العنف في داخلها،

وربما في الشاهد التالي يلتمس القارئ بعضاً من مشكلاته النفسية: قلت يومذاك في مذكّراتي: إنني لست حراً في البحث عن الحبّ والاستقرار، فأنا لست على انسجام مع طبيعيتي ولا مع زوجتي، ولا مع لجوئي، ولا مع تشرّدي... أنا لا أستطيع قطع حبل السرّة مع الماضي الممتدّ إلى دمي، ولا أستطيع فعل شيء حول مشكلات الولادة، أي أن مجرد ولادتي كإنسان فلسطيني هي مشكلة،

ولا بمقدوري الرد على أسئلة الحياة الكبيرة وأوّلها سؤال التغلّب على تجربة الانفصال عن الأرض، الأم، الأب، الوطن، ولا أستطيع إيجاد وحدة مع داخلي، فأنا على صراع ساخن ومستمر مع هذا الداخل: فلسطيني ـ لا جسد الفلسطيني وعقله».

عزت عمر