تحت عنوان «واقع الخيال» أقامت الفنانة التشكيلية نادية سري معرضها الثاني داخل قاعة الجاليري بمركز سعد زغلول الثقافي بالقاهرة، المعرض يضم ثلاثين لوحة منفذة جميعها بالألوان الزيتية التي تراها «سري» أقوى تعبيراً وتأثيراً في الوجدان من الألوان المائية، والباستيل.

يتناول المعرض فنتازيا الحياة الشعبية المصرية فيما يتعلق بالبسطاء وأحلامهم وآمالهم، وكيف ينظرون إلى المستقبل بقدر من التفاؤل والأمل برغم الصعوبة في تحقيق أحلامهم وتحولها إلى واقع، كما يتناول المعرض بشكل فنتازي الإنسان في هذا العالم، وكيف يسلك كل منا طريقه.

نادية سري اختارت من بين لوحاتها عدداً معيناً للتعليق عليه وشرحه، فقالت عن لوحة «مسرح الحياة»: أهم ما يميز لوحة مسرح الحياة أن تعبيرها وتأثيرها لا يقتصر على المعاني المحلية وحدود الوطنية أو القومية الضيقة، وإنما هي أعم وأشمل، حيث تعبر عن هم إنساني يشمل الإنسانية بشكل عام،

وهو أن الإنسان ـ أي إنسان ـ يأتي إلى الحياة ثم ينشأ في مجتمع معين بثقافة معينة، وإمكانيات معينة، ومستوى معين من التقدم، ثم هو يتخرج من التعليم ويمارس دوراً ما في الحياة التي هي مسرح كبير، كما يمارس الممثل دوره على المسرح، لكن الفرق أن الممثل على المسرح له حق اختيار النص واختيار الدور الذي سيلعبه خير أو شر، جميل أو دميم، غني أو فقير،

بينما الإنسان في حياتنا الحقيقية ليس مخيَّراً في كل الأحوال، لذلك شبهته في اللوحة بالعرائس التي يتحكم في حركاتها ومصائرها عن طريق شخص آخر لكني لا أقصد أن الإنسان مسيَّر في كل الأحوال، وإنما في معظم الأحوال، ومن النادر جداً أن تجد إنساناً يخطط لمستقبله مثلاً بالورقة والقلم وهو صغير ثم يحقق حين يكبر كل ما كان يفكر فيه حين كان صغيراً.

البشر في الغالب الأعم يهيمون في ضلالة ولا يكتشفون الحقائق إلا في أوقات متأخرة، أو في أرذل العمر ثم هم لا يستطيعون تغيير الحياة، وكل ما في أيديهم تغيير الشكل والظاهر وبعض السمات الخارجية بينما مصائرهم تحركها أقدار، فلا أحد يعلم ماذا سيحدث غداً،

وأين سيكون حتى إن كان لديه قرار بأن يفعل كذا؟ فهو لا يدري إن كانت الظروف مواتية لفعل ما يريده أم لا، واللوحة تصور مجموعة من البشر في شكل عرائس يدخلون إلى الحياة عن طريق بوابة شفافة يستطلعون المستقبل محاولين فهم قوانين الطبيعة والعلاقات بين البشر،

ومنهم من جاء إلى الحياة مستريحاً (يجلس في اللوحة على مقعد خشبي)، ومنهم من جاء حبواً ومنهم من يتكئ على عصا، وجميعهم تحركهم خيوط القدر، فلا يستطيع أحدهم أن يقلد الآخر أو يأخذ دوره، وهكذا مسرح الحياة.

وتحدثت «سري» عن لوحة «جذور العطاء» قائلة: هذه اللوحة تحديداً تحمل قيمة إنسانية بينك، وهي العطاء والتواصل بين الأجيال، وهي قيمة جميلة موجودة بالفطرة دون توجيهات تربوية أو أيديولوجية أو دينية، واللوحة تصور أم تجلس إلى ابنتها في مكان طبيعي جداً، ليس به أي آثار لعمارة أو حضارة دليل أنه العطاء والتواصل قيمتان فطريتان نشأتا مع نشأة الإنسان،

والخيال في اللوحة هو جلوس أم مع ابنتها أمام بحر لتسدي إليها بالنصيحة، فمشاغل الحياة تحول دون ذلك، بينما الواقع أو الحقيقة في اللوحة هو العطاء والتواصل بين الأجيال، وهذا موجود وحقيقي، فالطبيعة الإنسانية في أصلها وصميمها خيِّرة، والإنسان حيوان اجتماعي بطبعه كما يقولون ،

وبالتالي فإن التواصل والعطاء موجودان، وقد اخترت للوحة أم وابنتها، لأن أقوى علاقة إنسانية ـ في وجهة نظري ـ هي علاقة الأمومة، لذلك اخترتها كرمز للعطاء والتواصل الإنساني بين الأجيال. شطوح «سري» نحو هموم الإنسانية لم ينسيها هموم بلدها، فتحدثت عن لوحة عنوانها «أم مصرية» قائلة: هذه اللوحة رغم بساطتها إلا إنها تحمل تعبيرات كبيرة وكثيرة،

فهي لأم مصرية يبدو على وجهها عناء الحياة وتعب التربية والكفاح وبرغم عنائها والإرهاق الشديد الذي تعانيه، إلا أنها تبتسم ابتسامة خفيفة معبرة عن شعور بالرضا وعدم الندم، لأن كل هذا التعب يكلل في النهاية بحصاد مثمر هو الأبناء الأسوياء المتعلمون المثقفون الذين يفيدون بلدهم وينعمون برغده.

اللوحة نفسها وصفتها بأنها مصرية خالصة مئة في المئة، فملامح الأم تنطق بأنها مصرية وابنة للنيل، ويشعر بذلك الأجانب الذين يرون للمصريين ملامح مميزة، كما راعيت ـ والكلام لـ سري ـ في اللوحة البساطة والتعبير عن الطبقة التي تنتمي إليها غالبية الشعب المصري فظهرت الأم بـ شال ملفوف حول الرأس والعنق ببساطة وعفوية شديدة.

واختتمت أن أهم ما يميز اللوحات عموماً إنها ليست فطرية بشكل بحت، لأنني استدعي في بعضها مناظر من واقع الحياة، وكذلك فهي ليست أكاديمية بشكل بحت حيث يسيطر عليها جماليات الطبيعة، التي تأسر أي فنان، ودائماً كان المنظر الطبيعي البانورامي الممتد عبر الأفق يجتذبني، فأصوره بحس مرهف، كما أن هدوء الألوان يغلف كل لوحة بشكل هارموني شاعري يريح العين.

القاهرة ـ أسامة حسني