رحلته مع المسرح، حكاية مبدع احترم موهبته وأدواته الفنية وعمل على صقلها بالدراسة والرغبة في متابعة المشوار الأكاديمي المليء بالطموحات والآمال، رغم أنه يعترف أن القابض على القيم والمبادئ الجميلة هذه الأيام، كالقابض على الجمر، ومع ذلك لا يخفي د.خليل مرسي خليل في حواره الخاص معنا، رضاه عن كل الأعمال التي قدمها، مفنداً ما يقال عن مسرح «صلاح عبد الصبور» الذي تعلم منه الكثير، مؤكداً أن المسرح عشقه الأول والأخير.
* تحدث البعض عن محاولات جرت لإفشال مسرح «صلاح عبد الصبور»، وقد كانت رسالتك الجامعية لنيل الدكتوراه حول أساليب الإخراج في مسرحه، فكيف ترد على هذه الاتهامات؟
ـ هذا الكلام غير صحيح.. صلاح عبد الصبور (1931 ـ 1981) كشاعر مسرحي قدم خمس مسرحيات: (مأساة الحلاج، الأميرة تنتظر، مسافر ليل، بعد أن يموت الملك، ليلى والمجنون)، وكان ينتظر منه الكثير.. ومن حسن حظي وبحكم علاقتي به، اشتركت في أول مسرحية قدمها المسرح الحديث بالقاهرة سنة 1967،
وعرضت على مسرح الأوبرا القديم، ومن الأمور التي قد تستغربها أنني حفظت المسرحية كاملة عن ظهر قلب وعمري لا يتعدى 21 سنة فكنت أذهب إلى المسرح كل يوم، وأؤدي كل يوم شخصية جديدة.. ومع مرور الوقت بقي «صلاح عبد الصبور» في مخيلتي وفكري حتى اللحظة التي قررت فيها تقديم رسالة الدكتوراه عن مسرحه.
* ما الذي دفعك لاتخاذ هذا القرار؟
ـ أعترف بتأثير هذا المبدع الكبير في حياتي الثقافية وفي معرفتي للغة بشكل جيد، ومن الغريب أنني ناقشت رسالة الدكتوراه في «بوخارست»، وبعد سنة جاءت فرقة مسرحية رومانية إلى مهرجان المسرح التجريبي لتقديم مسرحية «مسافر ليل» باللغة الرومانية، كما أنني في السنة الماضية قدمت في جامعة 6 أكتوبر التي أدرس فيها، «كولاج مسرح صلاح عبد الصبور»، وما زلت أبحث في هذا المسرح الغني الذي يحتوي على خمس مسرحيات فقط.
* برأيك أين يكمن سر ديمومة هذا المسرح؟
ـ كلما تمعنت فيه أكثر اكتشفت أشياء جديدة، تماماً كمسرح شكسبير، بالإضافة إلى أنه ليس مسرح مناسبات، إنما يدعو إلى قيم وأشياء مطلقة، وهذا سر عظمة هذا المسرح.
* هل أنت مع تصنيفه بالمسرح الطليعي؟
ـ بالتأكيد هو مسرح طليعي مع نتاجات: عبد الرحمن الشرقاوي وأحمد شوقي وعلي أحمد باكثير، وقد طوَع «عبد الصبور» الشعر لخدمة الدراما، في حين أن كثيرا من شعراء المسرح المصري طوعوا الدراما في خدمة الشعر.
* حالياً كيف ترى حال المسرح المصري بعد غياب الرواد، وفي ظل الحديث الدائم عن المسرح الهابط والمسرح/ المقاولات؟
ـ أرجو ألا ينسحب المسرح السياحي والمسرح التجاري ومسرح المقاولات على المسرح المصري، فلا أستطيع القول أن المسرح المصري هو المسرح السياحي أو التجاري، لكنه جزء منه، خذ مثلاً مسرحية «أهلا يا باكوات» من تأليف لينين الرملي، وإخراج عصام السيد، والتي قدمها مؤخراً المسرح القومي مع «حسين فهمي» و«عزت العلايلي»، فقد حققت منذ 17 سنة لافتة «كامل العدد»، وقد أحببنا مرة أخرى أن نستعيد تلك الصرخة التي أطلقناها ولم يستجب لها أحد.
* بأي معنى لم يستجب لتلك الصرخة حتى تعاد ؟
ـ في المسرحية جملة على لسان «عزت العلايلي» لم ينتبه إليها أحد يقول فيها:«الفرنجة قادمون»، وقد حدث ما حدث في العراق، فأعدناها مرة أخرى كي يذكر الجميع معناها، كما أنني ما زلت أذكر جيداً عندما كنت عضواً وما زلت في مسرح «محمد صبحي» نقدم مسرحيات: (كارمن، لعبة الست، سكة السلامة، ماما أمريكا)، نقدم مسرحية جديدة كل يومين، والجمهور لا يعلم أي مسرحية ستقدم الليلة،
إنما يأتي هذا المسرح لأنه يدرك تماماً أنه مسرح ملتزم، وكرجل أكاديمي لا أتحدث عن المسرح التجاري، وإنما أتحدث عن مسرح محمد صبحي وجلال الشرقاوي والمسرح القومي والطليعي والحديث، كذلك مسرح سعد الدين وهبة وألفرد فرج.. هذه هي المسارح التي يجب أن ننظر إليها على أنها تمثل المسرح المصري وليس غيرها.
* بماذا تفسر عودة النجوم إلى المسرح بعد طول غياب؟
ـ أعود مرة أخرى إلى «أهلاً يا باكوات» فقد كنت في عام 1989، وصديق العمر د.مخلص البحيري نعمل في هذه المسرحية وكان الناس يأتون لمشاهدة حسين فهمي وعزت العلايلي، أي أن النجوم الكبار يقدمون واجهة محترمة للمسرح، لذلك أزعم أن هذه المسرحية هي التي عرفت الجمهور بي.
* لكن يقال دائماً بأن المسرح الجاد مسرح نخبوي بالدرجة الأولى؟
ـ إطلاقاً.. فالجمهور بفئاته المتعددة يستمتع كل حسب ثقافته ووجهة نظره، فتكون المحصلة أن يخرج الجميع سعيداً بالعرض الذي تابعه.
* كما أن بعض النقاد يرى أن أزمة المسرح المصري الآن تكمن في الإدارة، فهل هذا صحيح؟
ـ أنا مع هذا الرأي.. فكل فنان يقابله ما يقرب من 17 موظفاً دارياً هذه هي البطالة المقنعة، في حين أن مسرح «محمد صبحي»، الذي كان يعرض كل يومين مسرحية لا يحتاج لأكثر من إداريين وهذا يكفي، لذلك يجب الثورة على هذا الكادر الإداري الضخم.
* من خلال عضويتك بمجلس إدارة نقابة المهن التمثيلية، كيف تفسر قرار الانتساب للنقابة إلا لمن يحمل شهادات جامعية عليا؟
ـ نحن نحاول أن نحافظ على المهنة التي يمكن أن يتسرب إليها أناس يعتبرونها «مهنة من لا مهنة له»، وهذه مشكلة، لأن التمثيل يعتمد على الموهبة لا الواسطة، بالإضافة إلى أنه لدينا عدد لا بأس به من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، وأقسام المسرح في كليات، حلوان وإسكندرية وجامعة 6 أكتوبر «كلية العلوم الاجتماعية»، في الوقت الذي يجب الاعتراف أن الموهبة وحدها لا تكفي، فهي كقطعة الألماس الخام تحتاج إلى الصقل والتشذيب.
* هل يمكننا اعتبار تفرغك للتدريس والبحث الأكاديمي المسرحي، قد أثَر بشكل أو بآخر على نجوميتك في التلفزيون والسينما مقارنة بزملائك النجوم؟
ـ بالنهاية هي قناعات معينة، فالسلعة عندما تسعى لشرائها من المحل تحتفظ بقيمتها، إما إذا وصلت إلى بيتك دون عناء فستفقد الكثير، وأنا بطبعي أعتز بنفسي ولا أحب «التكالب» على العمل والذهاب للآخرين بعقلية تاجر، هذه مسألة محسومة لدي، لأن تسليتي الوحيدة هي التدريس بالجامعة، كوني أعشق التدريس المسرحي وأدرس في جامعة 6 أكتوبر مادتي التمثيل والإلقاء،
كما أمتلك شركة إنتاج خاصة، أدرس من خلالها فن الإلقاء والتمثيل المسرحي وأتطرق أحياناً إلى استخدامات الكاميرا في التلفزيون والسينما مستعيناً بمتخصصين، وبالمناسبة أريد أن أقول لك أن المسألة لها علاقة بالصدق أولاً، فعندما تكون صادقاً مع نفسك سيصدقك الجمهور، لأن ما خرج من القلب سيدخل إلى القلوب وما خرج من اللسان توقف عند الأذن فقط.
ويتابع الفنان المصري المعروف حديثه قائلاً:
ـ لدي مكتبة فيديو أحتفظ فيها بكل أعمالي.. من ساعة ما عملت في عجمان سنة 1981 مسلسل «وقال البحر» مع عزت العلايلي وفردوس عبد الحميد، والمخرج محمد فاضل، وفي لحظات التجلي أحاول أن أستعرض مشواري فأشعر بالرضا التام لأنني رجل مؤمن وكما قال الشيخ الشعراوي: «لو أنت عايز مئة جنيه ربنا ح يرزقك، بس أنت ما صبرت رحت سرقتهم».
* من جهة أخرى كيف توصف حالة المسرح في الخليج العربي من خلال الأزمات التي يمر بها المسرح العربي عموماً؟
ـ أتابع المسرح الخليجي من خلال مشاهدة عروضه في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، وهو بالتأكيد مسرح واعد، كما أنه من الظلم مقارنة التجربة المسرحية في مصر بالتجربة المسرحية في الإمارات، في حين يمكن الحكم بقسوة على المسرح في الكويت لأن «زكي طليمات» أنشأ حركة مسرحية هناك،
وما زال العديد من أساتذة المعاهد المسرحية المصرية في الكويت، أي أن التواصل موجود، إنما في الإمارات العربية المتحدة، التجربة الزمنية أصغر لكنها تسير في الطريق الصحيح، وبالمحصلة لا تستطيع أن تطالب بمسرح إماراتي في يوم وليلة.
حوار: أنس الأموي