المتابع لنتاجات فنانينا التشكيليين العرب الشباب، يجد أن الاتجاهات والأساليب الحديثة التي تبنتها، والقائمة في معظمها، على إعادة صياغة الشكل المشخص واختزاله وتلخيصه، لم تؤثر على قدرة هذه النتاجات على التواصل مع المتلقي العربي، إلا في حالات التجريد المطلق، والفن المفاهيمي الموغل في الطلاسم والغموض، ما يجعله خارج إمكانية التواصل معه، ليس من قبل المتلقي العربي العادي فحسب، وإنما أيضاً من قبل الفنانين المختصين أنفسهم.
من هنا، ولتأكيد هوية نتاجات فنانينا التشكيلين الشباب، عليهم تضمينها ملامح محلية مستلهمة من البيئة حولهم، سواء بشكلها المباشر والصريح، أو بالاتكاء على الرموز والإشارات المستعارة من تاريخ بلادهم القريب والبعيد. كما عليهم أن يتخذوا من الإنسان العربي، بحالاته الوجدانية والحياتية المختلفة، محوراً أساسياً لنتاجاتهم، فمثل هذه المواضيع، هي التي تحقن هذه النتاجات، بنبض الناس وأحاسيسهم، وتدفعهم للتواصل معها واقتنائها وتبجيلها. أما النتاجات الفنية الممعنة في الذاتية المريضة،
والعبث المجاني، والتقليد الأعمى لإفرازات الغرب من الاتجاهات والأساليب، دون تمحيص أو تفكير أو انتخاب، فهي حالة مشوهة وهجينة، لا تعيش طويلاً، كونها لا تتغذى من نبع الفن الأصيل، والقيم الجمالية الرفيعة، التي تكرست خلال التاريخ الإنساني، قرنا إثر قرن، وحضارة إثر حضارة. هي هنا أشبه ما تكون بالسواقي التي انفصلت عن النهر، قد تعيش لفترة، لكنها تحمل موتها المحتم، وهذا ما يجب أن يتفاداه فنانونا الشباب، إذا كانوا يريدون لإبداعاتهم الاستمرار والخلود.
نحن هنا لا ندعو إلى التقوقع، وإشاحة الوجه عن كشوفات العصر وإفرازاته وتياراته الحديثة، بل على العكس، نريد لفنانينا الشباب، متابعة كل جديد على صعيد اللغة الإبداعية التي يشتغلون عليها، ودراستها بوعي وتمعن وذهن مفتوح، وتمثل المناسب والجيد منها، بعد عجنه بواقع بلدهم وتراثه ومقومات شخصيتهم الفنية، ليأخذ مبررات وجوده في مكان وزمان محددين، وتالياً لكي يمتلك وسائل الاتصال السليمة،
مع الناس الذين يقدم إليهم، ويطمح للتفاعل مع عقولهم وأحاسيسهم، والفوز برضاهم ومباركتهم والوصول إلى مرافق حياتهم المختلفة: المنزل، والمكتب، والمؤسسة، والجامعة، وحتى الساحة والشارع والسوق ومداخل المدن والحدائق والمطاعم.. الخ، ذلك أن الفن غير القادر على أن يحرك عواطف الناس وعقولهم، يجب ألا يخرج إليهم، بأي شكل من الأشكال.