ثمة حرب تدور رحاها بشكل غير معلن بين الكاتب الفرنسي التشيكي الأصل ميلان كونديرا، ومعجبيه التشيك الذين قرروا مؤخرا تصعيد تحركهم المغمور بنية طيبة وعشق صادق بهدف إقناعه بالكتابة مجددا بلغته الأم وليس فقط بالفرنسية، أو على الأقل السماح بترجمة رواياته إلى اللغة التشيكية في أسرع وقت ممكن. التحرك الذي يقوده مجهولون والذي يتم خلف الكواليس، لم ينجح حتى الآن بإقناع كونديرا بتغيير نظرته حول كيفية التعاطي مع إنتاجه الأدبي، فهو يصر على تمتعه بالحقّ الحصري لتقييم انتاجه الفكري، واللغات التي يجب أن تنقل إليها، والأهم من ذلك كله اختيار المترجمين والإشراف على عملهم بدقة وتأن.
وهنا بالتحديد يكمن بيت القصيد في خلاف الود بين كونديرا ومعجبيه التشيك، حيث أنه يرفض منذ أعوام طويلة نقل رواياته المكتوبة بالفرنسية إلى اللغة التشيكية، مصرا بالدرجة الرئيسية على ترجمتها بنفسه لاعتبارات كثيرة، لعلّ أهمها إيمانه بقدرته الذاتية على نقل أفكاره وتصوراته الخاصة من لغة كتاباته الحالية (الفرنسية) إلى لغته الأم الأولى (التشيكية).
هذا »التطرف« في تبني الخيارات الاستراتيجية الخاصة بترجمة كتبه دفع معجبي كونديرا من التشيك مؤخرا لترجمة إحدى قصصه الشهيرة »الهوية« Identity ونشرها على شبكة الانترنت بشكل غير شرعي. وكأنهم أرادوا من ذلك التحرك أن يقولوا له »إذا تماديت في إصرارك على التقوقع والابتعاد عن قرّائك التشيك، فإننا قادرون بواسطة التكنولوجيا الحديثة أن نكسر هذا الإصرار«.
النسخة المقرصنة من هذه الرواية أثارت جدلا في تشيكيا بين الأوساط الفكرية والأدبية التي انقسمت بين مدافع عن حقوق كونديرا بإدارة عملية نشر ابداعه على طريقته الخاصة، وبين آخرين اعتبروا أن ترجمة الكتاب بشكل مجاني ونشره على شبكة الانترنت يعكس حالة من العطش والتشوق لأدب كونديرا لدى قسم من التشيك الذين لا يقرأون بغير لغتهم. وبالتالي فإن ما جرى هو حسب رأيهم »سرقة بيضاء« يجب أن تثير السرور في نفس الكاتب لا أن تُغضبه.
وأضاف آخرون بجرأة أكبر »بأنهم لا يكترثون لحقوق كونديرا المادية الناجمة عن أعمال الترجمة إذا كان المذكور لا يكترث لمشاعر قرائه في وطنه الأم«.
أما النقاد الأدبيون فكانوا أكثر موضوعية في تقييم ما جرى، فاعتبر أحدهم »بأن كونديرا يخطئ في اعتقاده بأنه المالك الوحيد لأدبه وفكره. فإذا كان ككاتب قد تمكن من التأثير في نفوس ومعتقدات ملايين القراء ، فإنه أصبح بالنسبة لهم كالمنارة التي ينتظرون نورها بشغف ويرسمون نقاط توجههم في هذا العالم استنادا لهذا النور«.
لقد أبدى كونديرا على مر الأعوام تحفظا حيال ترجمة رواياته المكتوبة باللغة الفرنسية إلى التشيكية، لأنه لم يرغب كعادته بالمجازفة في التعاون مع مترجم قد يتجرأ على نقل أفكاره بأساليب لا يهواها كثيرا وتختلف عن النسخة الأصلية. ويبدو بأن الحساسية في هذا الأمر مضاعفة عند كونديرا عندما يتعلق الأمر باللغة التشيكية التي شكلت ذات يوم منبع أفكاره وإنتاجه الأدبي، والتي اعتمد عليها ليخطّ بعض أفضل رواياته مثل »المزحة« وغيرها من الإبداعات .
ولا شك بأن الأمر الآخر الذي يثير أكثر من علامة استفهام حول علاقة كونديرا مع وطنه الأصلي، هو إصراره على الابتعاد العلني عن الجمهور التشيكي ورفض المقابلات مع الصحافيين التشيك (وغيرهم)، وكذلك رفضه الحضور شخصيا في الاحتفالات الرسمية التي تقام من أجل تكريمه أو لمنحه وساما من أي نوع.
لا يأبه كونديرا لضخامة فعاليات مثل هذا النوع، ولا يثنيه عن قناعاته حضور رؤساء الجمهوريات أو النخبة السياسية الحاكمة التي قررت تكريمه، فيرسل زوجته لتمثيله واستلام الأوسمة عنه. ولأنه مصرّ بالغوص في عالمه الخاص ويرفض بالتالي المشاركة في أي جدل لتفسير أسباب تصرفاته، فإنه يساهم دائما وبشكل لا إرادي بإطلاق العنان لنقاش حاد بين محبيه ومنتقديه الذين يجتهدون لتفسير تلك الأسباب على طريقتهم الخاصة دون أن يتوصلوا لأية نتيجة منطقية.
وفي ظل هذه الضبابية القائمة في العلاقة بين كونديرا ووطنه الأصلي تشيكيا، فإن أفضل ما يمكن أن يفسر إصراره على البقاء في عالمه الفرنسي الخاص هو ما كتبه شخصيا ذات يوم في النسخة التشيكية من إحدى رواياته حيث أفاد:
»الوقت الذي أملكه للمستقبل يمضي بسرعة فائقة ولا يزال لدي على الطاولة أمور جديدة تنتظر الإنجاز. كان عليّ أن آخذ بعين الاعتبار، أن عشرين عاما من الاحتلال الروسي ترك في حياتي آثارا سيئة ستبقى غير قابلة للإصلاح، وأنه يجب عليّ أن أختار : بين ملء فراغ عشرين عاما والعودة إلى النقاشات التشيكية المنقطعة والاهتمام أولا في إدارة تحرير الأعمال التشيكية، أو بين منح الأفضلية الراديكالية لحاضري الركيك، الذي لم يعد منذ زمن بعيد موجود في تشيكيا. لقد اخترتُ الطريق الثاني«.
البيان ـ خاص:
