«فولفكانك تيمان» رسام وخطاط ونحات ألماني في العقد السابع من العمر، يشتغل منذ عدة سنوات، على مشروع فني ثقافي وحواري خاص، أطلق عليه «تيمان ـ طريق الورق من سمرقند إلى أوروبا عبر دمشق» يريده على غرار «طريق الحرير» المعروف، إنما يستبدل «الحرير» في مشروعه بـ «الورق» الذي يرى أنه يؤدي مهمة قديمة ـــ جديدة ومهمة هي فتح حوارات ثقافيّة بين الأمم والشعوب، تساهم في تفاهمهم،

ونشر المحبة والسلام والتعاون والاستقرار بينهم، وهو من أجل ذلك، يريد تخليد الورق في تحقيق التواصل بين الحضارات والشعوب، من خلال مشروعه الذي بناه على فكرة مفادها أن القرن الحادي والعشرين سيغدو فيه (التلاقي المتخطي للحدود بين البشر سلوكاً إنسانياً بديهياً.

وستصبح المعرفة الملمة بالمناحي وبالملامح الخاصة، وبالجذور الثقافية، ومن المعارف الملحة، في القرون الماضية، حيث بقي التحرك ما بين الثقافات والعمل بالتجارة، مقتصراً على نخبة اجتماعيّة واقتصادية ليس إلا، أما اليوم، فكل الناس مدعوون للمشاركة باللقاءات العالمية، على كافة الأصعدة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة).

لتحقيق هذا المشروع، يقوم «تيمان» بالتنقل بين موطنه (ألمانيا) عبر البلقان وتركيا، وبين أهم محطات طريق الحرير، من بينها دمشق التي وصلها منتصف أكتوبر 2005 فوق دراجة ناريّة، وكانت دمشق قد تعرفت إلى «تيمان» العام الماضي، حيث أقام معرضه الفردي الأول في سورية، خلال ديسمبر الماضي في المتحف الوطني بدمشق، ضمنه مجموعة من الأعمال الورقيّة الكبيرة الحجم.

والفنان «تيمان» يقوم بمساعدة إحدى الشركات، بصنع الورق الذي يرسم عليه، وقد بدأ مشروعه «طريق الورق» أو دور الفن والفنانين في حوار الثقافات، خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، لكنه لا يعتمد على الفن بشكل رئيسي، في إنجاز مشروعه، وإنما على اللقاءات والحوارات الشخصية المباشرة، بينه وبين الناس، وهذا ما فعله في دمشق خلال زيارته الأخيرة، حيث أقام العديد من اللقاءات والحوارات، مع شريحة من الفنانين وطلبة الفن،

إضافة إلى إقامته لمعرض فردي في صالة المركز الثقافي الألماني «معهد غوته» بدمشق، ضمنه 12 لوحة ورقيّة قام بإنجازها في أحد دهاليز قلعة الحصن، هذه القلعة التي يعتبرها أهم أثر معماري تركه الصليبيون في المنطقة، واختياره لها، هو نوع من الاحتجاج على حروبهم، وقد عبر عن هذا الاحتجاج (كما أشار في لقائه مع طلبة كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق) باللون الأسود الطاغي والمسيطر على كافة اللوحات، أما توشيحات اللون الأصفر التي تركها فوق عناصر أكبر لوحات المعرض، فرمز فيها إلى «صلاح الدين الأيوبي» قاهر الصليبيين.

تنتمي لوحات «تيمان» إلى الواقعيّة الشديدة الاختزال المتماهية بالتجريديّة، وفنه من النوع الذي يتم إنجازه بسرعة كبيرة، فأعمال معرضه الأخير، أنجزها دفعة واحدة، بيوم واحد، وعُرضت ليومين فقط، ويخطط لتقديمها في متحف «برغامون» بالعاصمة الألمانية «برلين» في الربيع المقبل.

لا شك أن مبادرة «تيمان» هذه، مهمة ومفيدة وذات توجه إنساني وحضاري نبيل، غير أن الفن الذي ينجزه، لا يرقى إلى أهدافه وغاياته. فهو فن متواضع القيمة التشكيليّة والتعبيريّة، عجول واستعراضي وغير قادر، بطلاسمه وغموضه وسواده المنفر، من فتح حوار بصري مع المتلقي، فكيف بالحوار الفكري والثقافي والحضاري.

ربما وجوده هو في معارضه، والحديث أو الحوار الذي يقيمه مع الناس، طارحاً من خلاله أفكار وأهداف مشروعه، هو الأهم والأبرز في تظاهرة «تيمان ـ طريق الورق» التي انبثق عنها مؤخراً مشروعه الجديد «تيمان ـ حوار الثقافات»، أما شرائحه الورقيّة، وأعماله النحتيّة، التي يريدها أن تقف حراساً صامتين لمشروعه، فهي صامتة فعلاً، وغير قادرة على الحوار مع الآخر !!.

د. محمود شاهين