لا يأبه الكثيرون للفرق بين الإعلام والإعلان، وإن اجتهد البعض في البحث عن ذلك، فإن الفارق المقنع هو أن هناك وسائل إعلام سمعية وبصرية تحيطنا علما بكل ما يحدث.. وان الإعلام هو ما يختص بالإعلانات التجارية وغيرها.. لكن الأمر في واقع الحال مختلف عن هذه الاستنتاجات السائدة، فمن الناحية اللغوية هناك خلاف بين القواميس العربية على ذلك، وهناك خلط واضح بين الإعلام والإعلان، والأقرب إلى الاتفاق بينها هو الإعلام:
إبلاغ المخاطَب أمرًا؛ تَمَّ إعلامُ الطلاب بنتائج الامتحانات.. وزارة الإِعلام، هي الوزارة المسؤولة عن الإعلام الرسميِّ، أي نشر ما تراه الدولة في الصحف والمجلاْت والتلفزة والإذاعة.. الشيءِ: وضع علامة عليه تميِّزه؛ يحسن إعلامُ كتابك لكيلا يختلط بكتب الآخرين. أما الإعلان فتعرفه بعض القواميس بالتالي: الإعْلاَنُ عَنْ خَبَرٍ: إذَاعَتُهُ، نَشْرُهُ... إعْلانُ الحَرْبِ: شَنُّها، إشْعَالُهَا... إِعْلاَنُ حَقِيقَةٍ: الجَهْرُ بِهَا... نشَرَتِ الشَّرِكَةُ إعْلاناً تِجَارِيّاً فِي الصَّحَافَةِ: إشْهَاراً، بَيَاناً تُعْلِنُ فِيهِ عَنْ سِلْعَةٍ أوْ بَيَانٍ يَتَضَمَّنُ مَعْلُومَاتٍ للِتَّرْوِيجِ لَهَا... هَذِهِ اللَّوْحَةُ خَاصَّةٌ بِالإعْلاَناتِ: بِالبَيَانَاتِ أَوِ الإعْلاَنَاتِ الإدَارِيَّةِ.
ومن الناحية الإجرائية، أو العملية، قد يصير الإعلام إعلانا، والإعلان إعلاما في تبادل جدلي للمقدمات والنتائج.. وهناك خبراء ومختصون لتجيير ذلك لصالح مآرب استعمارية وسلطوية وأيديولوجية وتجارية أيضاً.. وفي الأحداث الأخيرة التي يمر فيها الوطن العربي، الكثير من الأمثلة على أن ما هو معلن عنه، وتروج له وسائل الإعلام بشتى الأساليب النظيفة والقذرة، نصير ضحيته أو مستلبين اتجاه، أو ينثر في عيوننا رماد العماء، ويشلّ تفكيرنا، ويكلّس ذاكرتنا، هذا إضافة إلى تحديد أولوياتنا...
فما حدث في لبنان مثلاً قلل من اهتمامنا بغزة، رغم هول المجازر نفسه، ورغم أن الحرب في لبنان نتائج لمقدمات في فلسطين... وما يحدث الآن سينقل سلاح حزب الله من المواجهة التاريخية الشريفة إلى طاولة المفاوضات، فننسى الشهداء ونبكي على الخلافات الداخلية.. وهكذا متى يريدون يطفون بتقرير ميليس إلى السطح، ويغرقون مقررات وتقارير الأمم المتحدة، ومتى يريدون يسلطون الضوء على بقع غائبة في الذاكرة، ويسدلون العتمة على لمعان الحقائق في الواقع... وكل هذا من خلال التحكم بتلك العلاقة العجيبة الغريبة بين الاعلام والإعلان...
والأعمق من هذا أن ثقافة الصورة صارت تحدد عواطفنا ودوافعنا وحجم أحزاننا وكيفية حدوثها، وعلاقة دوافعنا في بحثنا وفضولنا أو في قبولنا واستلابنا لكل ما هو آت... والصور الأفظع هي تلك التي نقلت لنا ما حدث في قانا... كلنا راعنا هول المجزرة، وتألمنا على موت الأطفال... لكن ما لم تعلنه وسائل الإعلام، وما لم ننتبه له، هي العذابات التي تعرض لها هؤلاء الشهداء قبل صعود روحهم إلى السماء... كم من الساعات نزف بعضهم حتى الموت؟
أي الكوابيس والآلام والصور الملحمية، أي المعاني الإلهية، أي التصورات، أي.....أي... تلك التي لاقاه الأطفال تحت الأنقاض قبل أن يخنقهم دمار الحرب وغبار الخراب...؟ وربما هناك من قرأ أبشع حالات الموت في صورة لطفل هرب من الموت إلى أحضان أمه...
mah7z@hotmail.com