لم ينكر الكاتب الألماني غنتر غراس, الحائز على جائزة نوبل للآداب, أبدا أنه انخرط، ذات يوم, في صفوف الجيش الأماني بقيادة الزعيم النازي أدولف هتلر, لكنه يعترف لأول المرة، تزامنا مع صدور كتاب سيرته الذاتية, بأنه عندما كان في ريعان شبابه كان، في نهاية الحرب العالمية الثانية, عضوا في منظمة تدعى »ويفن اس. اس«. وهي وحدة كانت تضم نخبة النظام النازي.

غراس, البالغ 78 عاما من العمر, تحدث أخيرا إلى محرر صحيفة »الباييس« الاسبانية من الدنمارك، حيث يأخذ قسطا من الراحة, في انتظار كتابه الجديد الذي يروي فيه ذلك الفصل من حياته، من بين فصول أخرى تتضمنها هذه السيرة الذاتية الموسعة والتي أعطاها غراس شكل رواية تحمل عنوان »تقشير البصل«.

كتاب السيرة هذا ليس الأول الذي يتناول حياة هذا الأديب الألماني العملاق، فلقد صدرت العديد من الكتب الأخرى، التي تتناول سيرة حياته المفعمة بالعمل والنشاط والنتاج الغزير على أكثر من صعيد وتفيد بأن غراس خدم في صفوف الجيش الألماني كمدفعي دبابات وبأنه أصيب واعتقل على يد القوات الأميركية. ودرس في دوزيلدروف وبرلين وفي خمسينات القرن الماضي ذهب للعيش في باريس, حيث كتب رواية »طبل الصفيح«.

يتميز الجزء الأكبر من العمل الروائي لغراس, الكاتب المسرحي والشاعر والنحات والرسام أيضا, بطابع السير الذاتية أو يقوم, على أقل تقدير, على سيرته الذاتية الخاصة. وفيما يلي مقتطف من المقابلة الصحافية التي أجرتها صحيفة »فرانكفورتر الغماينه تسايتونغ« مع غنتر غراس:

* ما الذي دفعك إلى كتابة مذكراتك الآن؟

ـــ لا أريد القول إنه كان مخاضا عسيرا, لكن لا شك بأنه كان ينقصني بعض الإرادة لتجاوز بعض العقبات قبل البدء بكتابتها, لأنه لدي معارضة مبدئية للسير الذاتية، فالكثير منها يحاول إقناع القارئ بأن أمرا ما حدث على هذا النحو وليس بطريقة أخرى. أنا أردت أن أقدم لهذا القارئ طريقة إضافية مفتوحة, لذلك كان الأمر مهما جدا بالنسبة لي...

* قلت مرارا وتكرارا إنه حتى النازي المعروف بالدور شيراخ اعترف في نورنبيرغ

بأن ذنبه تمثل بأنه لم يقتنع بأن الألمان قد ارتكبوا عمليات إبادة عنصرية. لكن لماذا تتحدث الآن بصورة مفاجئة ولأول مرة عن أنك كنت عضوا في وحدة »اس اس«. لماذا الآن بالتحديد؟

ـــ شعرت بشيء يجبرني على القيام بذلك. فصمتي طوال كل هذه السنوات يمثل أحد الأسباب التي جعلتني أكتب هذا الكتاب, لقد كان أمرا وجب علي البوح به وإخراجه للعلن في نهاية المطاف...

* لا شك بأنك كنت تعلم بما كان سيجري معك لدى وصولك إلى الوحدة, أم أنك تنبهت لذلك مسبقا لحظة استلام أمر التجنيد؟

ـــ ذلك المشهد ليس واضحا, لأني لست واثقا من الطريقة التي سارت على أساسها الأمور. لكن ربما أدركت الأمر من خلال أمر التجنيد وترويسة الرسالة أو الرتبة التي وقعتها أو ربما أدركت الأمر حين وصلت إلى دريسدن فقط... لم أعد أعرف.

* هل تكلمت حينها مع رفاقك عما يعنيه وجود المرء في »ويفن اس اس«؟

ـــ الأمر الوحيد الذي كان يجري في الوحدة هو ما وصفته في الكتاب, أي عمليات التدريب القاسية. ولم يكن يحدث هناك أي أمر آخر. والأمر الوحيد الذي كان يفكر به المرء كان يتعلق بكيفية الهرب من هناك. لقد وصل بي الأمر إلى درجة أني أصبت نفسي عمدا بعدوى مرض اليرقان, لكن ذلك لم ينفعني سوى بضعة أسابيع. وبعدها عدت مرة أخرى إلى التدريب الوحشي وإلى مستوى غير كاف من التثقيف مع فريق أكل عليه الدهر وشرب. كان علي كتابة ذلك في جميع الأحوال.

* ما كان عليك كتابة ذلك. وما كان لأحد أن يجبرك على القيام به أصلا...

ـــ ما حملني على القيام بذلك كان واجبا مفروضا بصورة ذاتية.

* لماذا التحقت بشكل طوعي بمعسكر »ويهرماشت«؟

ـــ الذي كان يشغلني, في البداية, هو الهروب من كل ذلك... من الضجر والقلق... من العائلة. أردت الانتهاء من كل شيء، والتحقت لهذا السبب. وهذا مثير للفضول أيضا, إذ أن عمري لم يكن قد تجاوز الخامسة عشر آنذاك وبعدها نسيت كل ما سبق ذلك عمليا. ولقد حدث أمر مماثل للكثيرين من الذين كانوا بعمري, فلقد كنا في الخدمة العملية وفجأة, أي بعد عام, كان أمر التجنيد على الطاولة. ومن ثم أدركت، ربما عند الوصول إلى دريسدن, بأني كنت في »ويفن اس اس«.

* هل شعرت بأي ذنب جراء ذلك؟

ـــ في تلك اللحظة لم أشعر بالذنب. لكن في وقت لاحق أثقل ذلك كاهلي وجعلني أشعر بالعار. بالنسبة لي, فلقد كانت هذه المسألة لصيقة دائما بالسؤال التالي: هل كان بإمكانك أن تدرك في تلك اللحظة ما الذي كان يحدث معك؟

* كنت من أوائل من تحدث من بين جيلك عن قابلية الانجرار وراء الغواية ولقد كنت صريحا دائما عندما يتعلق الأمر بالتاريخ الألماني, وهذه من الأمور التي كان عليك مواجهتها بصورة متكررة.

ـــ في يومنا هذا لدينا الكثير من مناضلي المقاومة، الذين يدهشون لكيفية وصول هتلر إلى السلطة. لكني أود العودة إلى سنوات الخمسينات لأبين لكم ما هي النقطة التي انطلقت منها لكتابة »طبل الصفيح«, فما كان يحدث حتى عام 1945, كان يعتبر, حتى وقت قريب, انهيارا وليس استسلاما غير مشروط. وكان يقال إن الظلمة أطبقت على ألمانيا بأسرها وكان يتم التصرف كما لو أن الشعب الألماني المسكين قد فتن بشرذمة من البهلوانات الظلاميين.

وذلك لم يكن صحيحا, فأنا شهدت كل شيء منذ نعومة أظفاري وفي وضح النهار. فلقد حدث كل شيء بحماسة وبروح نهضوية. ومن الطبيعي أيضا أنه حدث عن طريق الغواية, ولا مجال للشك بذلك. وفيما يتعلق بالشبيبة, فإن الكثيرين منهم كانوا متحمسين. وأنا أردت البحث في هذه الحماسة ودوافعها وذلك عندما كتبت »طبل الصفيح«, كما أني أرغب القيام بذلك الآن, بعد مضي نصف قرن, في كتابي الجديد.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن »الباييس« ـــ اسبانيا