الكاتب والناقد الراحل سمير سرحان، أحد أبرز أعمدة الثقافة المصرية والعربية الأصيلة، ساهم في تشكيلها وصياغتها، وأثرى مكتبتها بالعديد من الكتب والمؤلفات التي أنتجها على مدار عقود زمنية متعددة، ومن منطلق هذا التصور أقامت الهيئة المصرية للكتاب احتفالاً واستذكاراً لأبرز أعماله وإنجازاته وتاريخه بمشاركة عدد من نجوم المجتمع في المجال السياسي والفني والثقافي، والمسرحي والاجتماعي في الدول العربية.
تضمنت الاحتفالية عرضاً لفيلم تسجيلي بعنوان «وداعاً مع العظماء»، تناول أهم أغلفة كتب سمير سرحان وصوره أثناء تكريمه في العديد من المحافل الثقافية، كما تسلم نجله خالد سرحان ـ نيابة عنه ـ درع جائزة محمود تيمور المسرحية لعام 2006، والتي قدمتها رشيدة تيمور.
في مستهل اللقاء أكد الكاتب وحيد عبد المجيد نائب الهيئة، أن هذا اللقاء يعد استنكاراً لأعمال الراحل سرحان في مجالات متعددة، من أهمها دوره الإيجابي والملموس في هيئة الكتاب وقال: إن الذكرى هي الشيء الوحيد الذي يعطي نوراً لأجيال متعاقبة وخاصة ذكره لإنسان أضاف لحياتنا الثقافية عمقاً وحرية.
وأكد ناصر الأنصاري رئيس الهيئة أن هذا اللقاء لا يعد تأبيناً، لأن التأبين فيه رثاء، بل مازلنا نحتفل بدوره في العمل الثقافي ولا نرثيه، وقال: إن سرحان هو المثقف والكاتب والمسرحي والناقد وأستاذ الجامعة وصديق لكل المثقفين العرب والمصريين، وأوضح أن سرحان قد ترأس الهيئة لمدة 19 عاماً وهو ما يعادل نصف عمر الهيئة، وإنجازاته لا يمكن حصرها حتى الآن، تضخمت أعمال الهيئة في عصره، ونقل معرض القاهرة الدولي نقلة نوعية من مجرد مكان لبيع وشراء الكتب إلى احتفالية وتظاهرة ثقافية تجمع المثقفين في مصر والعالم العربي والغربي، ويعد صاحب مبادرة مكتبة الأسرة، حيث استطاع أن يجعل الكتاب قريناً لكل إنسان مصري وموجود في مكتبة منزله.
الثقافة العربية
ومن ناحيته أضاف السياسي والمفكر د. مصطفى الفقي عضو مجلس إدارة الهيئة، بأننا لا نحتشم إلا لعظيم رحل أو لعزيز غاب، وهذا الجمع من كل الناس في مصر من فنانيها ومثقفيها يشير إشارة واضحة إلى القيمة العليا التي يتمتع بها الراحل.
وقال: إن سرحان صاحب شخصية ثرية ومتعددة الأبعاد وواضحة الجوانب تتمتع برحابة الصدر الواسع وأفقه العميق، فهو مدافع عن الحرية والرأي والإبداع، فكان سمير سرحان يشعر بسعادة حينما تشتد وتحتدم المناقشة في العديد من الحوارات أو الندوات أثناء معرض الكتاب، ووصف بقومي التوجه وعربي الإحساس، فهو يتواصل من خلال الثقافة مع أمته العربية، وأتذكر ذكرى عطرة له، تعد مفاجأة لي، حينما خرجت من دار رئاسة الجمهورية دعاني في الندوات واللقاءات الثقافية أثناء معرض القاهرة الدولي في دورته السابقة.
مما يعبر عن معدنه، لأنه يعد من البشر الذين يقفون وقفة حقة في الأزمات مع أصدقائهم، واستطاع بذلك أن يتواصل مع الآخرين حتى مع خصومه، بصدر رحب وواسع فكثيراً ما يصفح عنهم، في وقت قل فيه التسامح واشتد الحقد والغيرة على الآخرين، فعزائي وللأمة العربية لصديق ومثقف لم يسء لأحد وحتى لو أساء فسرعان ما تزول لحظة غضبه ويتسامح ويسامح لإعادة أصدقائه.
جمال النقد المسرحي
أما عن كلمات الأسرة، فتحدث الفنان خالد سرحان مؤكداً بأن والده لم يكن مثقفاً ولا مفكراً فحسب بل كان والداً بحق ليس لأبنائه وإنما لكل العاملين معه، فكان يتعامل مع عائلته الكبرى داخل الهيئة،كما كان يتعامل مع أسرته، لأنه عاش بينهم أكثر مما عاش معنا، فهو أب لكل العاملين وابن لمصر كلها، ولهذا أعلن باسم الراحل سمير سرحان جائزة باسمه في جمال النقد المسرحي للشباب والإبداع بداية من العام المقبل، من جانبها أكدت شقيقته عزيزة سرحان أنها تيتمت مرتين، الأولى أثناء رحيل والدها.
والثانية أثناء رحيل شقيقها الأكبر ووالدها الروحي سمير سرحان، وقالت: إن أخي سمير كان حالة فريدة في حياة أسرته فتولى دور الأب بعد فقداننا لوالدنا وعاش طول عمره أباً، فكان يطمئن على أولاده وأحفاده، ويجتمع دائماً بنا يوم الجمعة ليحل مشاكلنا ويعرف تفاصيل حياتنا، والآن أنا فقدت الأب والأخ، وبلغة مليئة بالإحساس والمشاعر المتدفقة.
العروة الوثقى
أما الشاعر فاروق شوشة فوصف محبة سمير سرحان بالعروة الوثقى التي أسسها وسط محبيه، لأنها تكريس لعملة أصبحت نادرة الآن، وهي أن يجيء الخلف ليذكر السلف، فلقاؤنا هذا تعبير وعرفان بجميل سرحان في العمل الثقافي والأدبي، وقال الشاعر فاروق: إن سرحان لم يكن مجرد موظف من موظفي الهيئة ووزارة الثقافة بل كان مبدعاً حقاً، أثر ذلك بوعي وإخلاص في أن يحجب مشروعه الخاص في الإبداع لصالح المشروع الثقافي العام، لقد توقف سرحان عن الكتابة.
منذ عقدين من الزمان في الألوان المختلفة من الكتابات، مثل مشروعات في المسرح والنقد والترجمة، كل ذلك تركه من أجل مشروع الوطن، فكان يتوارى ويحتجب مشروعه الخاص شيئاً فشيئاً، يعوضه في ذلك عندما يقرأ للإبداعات الشبابية، أو لمن يأتي إليه ويطلعه على أعماله وكتاباته، فكان يفسح المجال للآلاف في مجال الإبداع ويحقق ذاته بالغناء في ذوات الآخرين، ولكنه بمجرد شعوره باكتمال مشروع الوطن ووقوف هيئة الكتاب ونهضتها.
لجأ إلى ما لجأ إليه يوسف إدريس في نهاية حياته إلى المقال حتى يستوعب جينات الإبداع التي لم تمت في نسيج سرحان، فكتب في يوميات أخبار اليوم وكتب مقالاته بالأهرام، وفي رأيي أنه كتب مقالات في كثير من المجالات تعبر عن فكر ودراما سرحان، وتعود هذه المقالات إلى مختزناته الثقافية الأولى، ودعا شوشة إلى جمع كل المقالات، التي كتبها سمير سرحان في فترته الأخيرة من عمره ووضعها في كتاب ليقرأها كل الناس ليعرفوا ماذا كان يدور في ذهن سمير سرحان من آراء حول القصة والمسرح والرواية والترجمة.
وأضاف الكاتب عبد العال الحمامصي: إن سمير سرحان أنهض الثقافة الجماهيرية أو هيئة قصور الثقافة بعد أن كانت تحتضر فتولى أمرها من جديد وجعلها بؤرة وشعاع ثقافي، كما أسس مؤتمر الأدباء الأول في الأقاليم عام 1984 واستطاع أن يحطم الحواجز بين الثقافة المصرية ومثقفيها وبين مثقفي الأقاليم، وجعل منهم أغلب الرموز الثقافية الموجودة في حياتنا الثقافية، أما المخرج المسرحي أحمد زكي.
فقال إن زمالتي بدأت مع الراحل سمير سرحان في الإشراف على الموسوعة العالمية للمسرح المعاصر، فقد كان محباً للمسرح ودعمه بالكتابة والنقد، وجعل من المسرح مجالاً شعبياً حقيقياً لكل المصريين والعرب في أنحاء العالم العربي والمصري، فأثمرت جهوده في خلق مسرح حقيقي يتمتع بالحرية والعمق في التفكير والنقد.
ومن الكتاب العرب، الذين حضروا هذا اللقاء، قالت الكاتبة الكويتية أمل عبد الله إن سرحان هو المثقف، الذي استطاع أن يخلص لوطنه وعروبته، فهو إنسان صادق المشاعر ومُنكر الذات، تفرغ للثقافة والأدب في وقت كان قد أخضعت فيه سهم الثقافة العربية.
واستطاع أن ينهض بهذا السهم من خلال إسهاماته بالقراءة للجميع، فلم يعد هذا المهرجان مقصوراً على مصر فحسب بل تم تعميم هذه التجربة في العالم العربي باسم تجربة سمير سرحان، كما كان يلتقي بكل المثقفين في العالم العربي من خلال الاحتفالية والتظاهر الثقافي، الذي كان يقيمه خلال معرض القاهرة الدولي، فهو حاضر وغائب، فعندما نتذكر الوفاء والإخلاص، نتذكر معهم سمير سرحان.
بطل مكتبة الأسرة
ومن جانبه أكد الناشر محمد رشاد بأن مواقف سرحان مع الناشرين في معرض الكتابة إذا كانت تتسم بالحزم، فهي في باطنها تتسم بالصداقة والوفاء ولو كنت مكانه لفعلت ما كان يفعله، فقد لبى مطالب كل الناشرين ولم يقصر معهم في شيء، ليس بسبب الضغط ولكن بطيبة قلبه، تعامل مع الناشرين العرب،كما يتعامل الناشرون المصريون بالتواضع والإخلاص، فكان يعبر عن الشخصية المصرية الحقيقية المتمتعة بالحب والوفاء خارج بلده مصر، فهو رمز للمثقف المصري في العالم العربي.
ومن جانبه أضاف د. غازي زين عوض الله المدني الكاتب السعودي، أن سرحان قد منح وقته وطاقته الإبداعية للعمل الإداري، فأبدع فيه وتكونت مكتبة الأسرة بطل سلاسلها ومحاورها وكان د. سمير في بداية توليه لهذه المهمة يمارس الإبداع المسرحي وعرضت له المسارح في مصر امرأة العزيز، كما اشتهرت مسرحية عن الحاكم بأمر الله ولاقت تقدير كل النقاد والعاملين بالفن المسرحي، فترك الرجل هذا الزحام والضجيج الفني وأخلص لمهمة شديدة وهي دعاية الكتاب العربي عبر العالم ونجح فيها بامتياز.
ودعا د. غازي إلى مزيد من الاستحقاق لدور سمير سرحان من خلال إلقاء الضوء على جهده ودراسته ليس في جمال الإبداع والكتابة فقط بل في مجال الإدارة أيضاً، فهو من أصحاب النظرية الإنسانية في الإدارة وكان يتمتع برؤية واسعة في استشراف المستقبل وتوزيع المهام والأدوار، فلم يكن مركزيا وديكتاتوريا في عمله وكان يعي جيداً المفهوم التداولي في سوق الكتاب.
وقال د. غازي: رحم الله هذا المبدع الكبير ولعلنا نحن نتجاوز محنة رحيله على المستوى الوجداني فتفكر بالعقل، كيف حقق التواصل في حياتنا الفكرية، وكيف نستفيد منه من خلال منظومته لجواهر العقد في كيان مترابط حتى لا تحدث فجوة في أمتنا العربية على كل المستويات، بعد رحيله بإتمام دوره الحقيقي، الذي تمثل في إقامة سوق حقيقي للكتاب العربي يجمع فيه كل أصحاب الرأي في منتدى عالمي بقلب عاصمة الثقافة العربية القاهرة.
خدمة «وكالة الصحافة العربية»
القاهرة ـ داليا فاروق:
