منذ بدء الصراع العربي مع الاستعمار بكل أشكاله ومراحله، عبرت الأغاني الوطنية عن تطلعات الجماهير وشعاراتها وأهدافها وعواطفها ومشاعرها.. لكنها ظلت رغم استنادها على جوهر الأفكار والمبادئ الوطنية، موسمية بشكل كامل، تشتعل مع الأحداث، وتخبو بانتهائها..
وحتى تلك الأناشيد الخاصة بكل دولة، تُعزف موسيقاها في المناسبات بشكل روتيني. ويظل السؤال: لماذا هذا الغياب ونحن في حالة حرب مع إسرائيل؟ وربما تكمن الإجابة في عودتها من جديد مع حرب حزب الله الآن في جنوب لبنان.. ولكن هل كل الأغاني الوطنية تتناسب مع جميع أشكال النضال؟
من الأغاني التي تقدس حب الوطن، أكان العربي ككل «بلاد العرب أوطاني» أو الوطن كقطر من الأقطار «بحبك يا لبنان .. مصر يمّه يا بهية .. فلسطين فلسطين» إلى الأغاني التي تقدس الشهادة، والأغاني التي تحض على القتال، وتحرض على الثورة، إلى الأغاني التي تحيي الجماهير وتقدر صمودها..
كلها تصلح لكل حالات النضال في الوطن العربي ضد المحتلين، وربما الاستثناءات الوحيدة هي تلك التي تحاول التغني بزعيم تنظيم ما، أو تسعى لنشر أو لترويج أيديولوجية معينة. ومع ذلك قد تتقاطع في جوانب كثيرة مع باقي الأغاني.
والسبب المحوري في كل هذا هو أن جل الأغاني الوطنية مرتبطة بالحرب كواقع، وتسعى لحياة أفضل، وتلامس إنسانية المشاعر.. وبما أن النضال من أجل ذلك يحتاج إلى التضحية، فسنجد التمايز والتقارب والقواسم المشتركة بين الأغاني جميعها هو البحث عن معانٍ مغايرة للموت وأهدافه.
ما بعد التضحية
قليلة هي الأغاني التي تصف الموت، وإن وصفته فإنها إما تقدسه، وإما تصبغه بدلالات مجازية، تتجاوز بها وقعه الجنائزي، كما في أغنية «أم الشهيد»، فبعد أن يأتون به إليها ملفوفاً بعلم الثورة، تقول: «أنا أمه، يا فرحة أمه، في عرسه في ليلة ضّمه، وزغروتة يللا التموا».
تطلب من النساء أن يتجمعن ويزغرتن لأن شهادته هي ليلة عرسه.. وفي الوقت الذي تزغرد به أم الشهيد على أخت الأسير أن تتمرد: «ويا أم الشهيد وزغرتي، ويا أخت الأسير تمردي، الموت ولا المذلة». وثمة أغانٍ تصبغ على الموت حالة من حالات النوم، كما في أغنية لمارسيل خليفة، تحكي قصة استشهاد طفل مناضل اسمه أيمن: «ارتدت الأرض صدور الشهداء، وجاءت كي تشهد أيمن وهو ينام».
ولكن في بعض الأغاني قد يصل المجاز لرفض الموت من الأساس، باعتباره مواتاً، كما تقول جوليا بطرس: «بنرفض نحنا نموت قولولهن راح نبقى، أرضك والبيوت والشعب اللي عم يشقى، هدول النا يا جنوب يا حبيبي يا جنوب ».
وفيما عدا وصف حالات الشهادة فإن أغلب الأغاني الوطنية تتحدث عما بعد التضحية، تتحدث عن الهدف من الموت، أكان على المدى البعيد أو القريب، أي لمواصلة النضال مثل: «ما همّ أن نموت في دوي صرخة الحرب، إذا وجدنا بعدنا من يحمل السلاح، يواصل الكفاح». أو للعيش بسلام وحرية وكرامة فيما بعد مثل: «أنا يا أخي.. وحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجل».
يجمع الأغاني الوطنية أيضاً الواقع كقاسم مشترك، لا يربطها عربياً أو وطنياً وحسب، بل عالمياً أيضاً، ويتجسد في ساحة المعركة، وأساليب وأدوات النضال، والحماس للقتال وملاقاة العدو، والبحث عن الحرية والتحرر، كما تقول أم كلثوم: «أصبح الآن عندي بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم». أو أغاني المقاومة الفلسطينية بشكلها العام: «بين الأغوار فدئية، عا جبال النار فدئية.. أو، يا فدائي فجرها، فجر بركان، ويا فدائي وأشعلها في كل مكان».
فنية الأغنية
كانت السمة الظاهرة في الأغاني الوطنية، إيقاعها الصاخب الذي يتناسب مع صوت المعركة وحماس الجماهير، وخاصة في بدايات الثورة الفلسطينية، وبعد ذلك ظهرت تنويعات معينة، أسست لها تجارب عربية هنا وهناك، كتجربة الشيخ إمام، وبعض أغاني المطربين العرب، كفيروز مثلا، ليأتي جيل من الفنانين الملتزمين، وفي مقدمتهم مارسيل خليفة، ويؤسس للون جديد من ألوان الأغاني الوطنية،
أكان على صعيد الألحان أو الكلمات .. وإن كانت الأغاني الوطنية قد تنوعت في أوزانها ومشاربها، ومنها من اعتمدت على الشعر العمود، ومنها ما أخذت من شعر التفعيلة والقصيدة العامية، فإن الفنان خليفة اشتغل على قصائد شعراء كبار، كمحمود درويش، ونوع في موسيقاه، ومنابعه من الأجناس الأخرى، وارتقى بمحلية الأغنية إلى إنسانيتها، ورفع يوميات الناس إلى سلالمه الموسيقية.. من منتصب القامة،
إلى ريتا، إلى تصبحون على وطن، إلى بالأخضر كفناه، إلى أنشودة الحجر.. أحاط خليفة بكل معاني الموت والحياة، وبكل الأحاسيس الوطنية والثورية والإنسانية.. متكئاً على كل الأجناس الأدبية.. ويظهر استخدامه للقصة القصيرة في الأغنية التي يحكي فيها عن شبل حاول أن يتصدى لطائرة فأصيب، وكيف تمت الإصابة، وماذا حدث بعد ذلك ... ليجسد معنى مغايراً للموت، وفهماً رائعاً للصمود والتضامن، ومشاعر عميقة للحزن، وبعداً آخر للشهادة ...
زعموا أن صباحاً كان/ زعموا أن تراباً كان/ ودم الطفلة سال على الصخر/ لتشربه الوديان/وسيطلع ذات صباح/ كي يهدينا خرزا / وشقائق نعمان/ سأحدثكم عن أيمن/ عن فرح الغابات الفاتن في عينيه/ وعن سحر يديه/ إذا فرت أنهار الأرض وخبأها بين أصابعه/ سأحدثكم عن أيمن/ عن قمر تشتبك الأشجار على دمه المنسي/ فيسقط في النسيان عن طفل/ يركض خلف فراشته/ وعن الخنجر في أقصى الوديان.
في الأفق عصافير معادية/ في الأفق طيور سود/ في الأفق دم ورعود/ امتشق الطفل فراشته البيضاء/ صوب نحو الطائرة الأولى/ فأصيب/ صوب نحو الشمس فلم تسقط/ صوب نحو البحر فلم يسقط/ صوب نحو الأرض/ فمات/ بكت الشجرات/
بكت السروة في السر/ بكى النرجس في الساحات/ قرع النهر الأجراس المنسية في الأحلام/ ارتدت الأرض صدور الشهداء/ وجاءت كي تشهد أيمن وهو ينام/ ومشى النهر إليه/ ومشى البحر إليه/ مشى الوطن العربي إليه/ ومشينا نحو خطاه/ كان يفر جنوباً / يحمل جثته ويهاجر/ نحو حدود ترقد خلف حدود ترقد خلف حدود/ سيعبر ورداً ودماً وخلود.
محمود أبو حامد
