مر شهر كامل والعدوان مازال مستمراً، يلتهم أرواحنا وأحلامنا التي داخت من رائحة الدم والبارود والحقد الأسود.. مر شهر أغبر ونحن نحصي عدد الصرخات والآهات والدموع التي لن تجف، فيما لبنان صامد تحت الحصار والنار بإرادة تفل الحديد والنار، يستقبل ويودع زواره «العرب» الذين يحملون معهم خيباتهم التي لا تنتهي، مبتسمين لعدسات التصوير، وللتوقعات التي تتوارد عن قرب انتهاء العدوان.

مئات المقالات كتبت، وآلاف العناوين والمانشيتات نشرت، فيما وكالات الأنباء تبث يومياً آخر الأخبار والتطورات، ليبقى كل ذلك مجرد ترهات لا تنفع حتى لمسح زجاج كرامتنا التي لوثت بالعار يوم صمتنا، وعجزنا حتى عن الكلام، تاركين الأطفال والنساء والشيوخ أهدافاً سهلة للجبناء، نداري وجوهنا ولا نستحيي من التأكيد في كل مرة، أن الوقت لم يتأخر بعد وأنه مازالت هناك بارقة أمل.

هل هذه هي ثقافتنا العربية التي تربينا عليها منذ الصغر، أن نسكت عن الضيم ولا نغيث الملهوف، بل ندع الأخوة يذبحون أمام أعيننا، لأننا ببساطة لسنا فالحين مقنعين حتى في النحيب والعويل على هيبة عروبتنا الضائعة التي أصبحت خياراً، لا أمراً مفروغاً منه غير قابل للجدال.

هل ولى إلى غير رجعة زمن «المعتصم» الذي أقام الدنيا ولم يقعدها لأن امرأة في «عمورية» استغاثت به، بينما نحن نسمع كل يوم آلاف الاستغاثات، ولا نحرك كراسينا المسجلة بماركات عالمية تليق بهممنا العالية الرفيعة، ربما لأننا نخاف أن تنكسر فينا، أو يأتي دور من يستحق الجلوس عليها، ويكون على قدر العجز والصمت المريع.

وحتى لا نظلم الجميع..

يجب أن نعترف من «باب الفضيلة لا أكثر»، أن بعض الأدباء كتبوا وصرخوا ونددوا، لكن لا أحد سمع هذا الصراخ، فضجيج الطائرات والصورايخ أعلى، وبيانات الحرب أسرع في الوصول من قصائد الشعر ونثر المبدعين، فهي تحمل على أكف الشياطين، فيما يتولى «الحمام الزاجل» الوديع مهمة إيصال إبداعات «عباقرتنا المفكرين المبدعين» إلى العناوين الخاطئة على الدوام..؟!

أعترف أنني لا أجد الكلمات التي سأختم بها زاويتي هذه، والتي أشعر أنها تشمت بي كل مرة، فكل ما نكتبه حبر على ورق فاسد، مالح كأخلاقنا التي ذابت مع لهيب النار وتبخرت مع أرواح الناس، قبل أن تضيع مع غبار الأبنية والبيوت التي هدمت فوق رؤوس أصحابها.

ربما نحتاج لألف ألف عام، حتى نستطيع النظر إلى أقلامنا بعد كل ما حدث وسيحدث في مقبل الأيام، فلنصمت إذاً احتراماً لذكرى الشهداء، ومداد الحبر والروح، حتى يأتي جيل يغسل عار هزائمنا، ويمسح عن تاريخه لا تاريخنا كل هذه الأدران، ويكتب بحروف من نور معنى كرامة الإنسان في هذه الحياة..

لحينها دعونا أيها الكتاب والأدباء العرب المحترمون، نكتب منذ الآن نعيكم بأصابعنا المحترقة، قبل أن نغير رأينا وننسى أنكم مررتم في هذه الدنيا، كما مر الغزاة ورحلوا إلى غير رجعة، تاركين لكم، لوعة الغياب والفراق والدموع الغالية السخية..

alomawi@albayan.ae