الكاتب الروائي عزت القمحاوي من الصحافيين القلائل الذين يتمتعون بموهبة الإبداع، وقد نجح في تقديم عدد من الروايات التي تجسد الواقع الذي نعيشه مثل »مدينة اللذة« و»الأيك في المباهج والأحزان« الذي اعتمد فيها على الحواس والجسد، لأنهما من وجهة نظره أصلح وسيلة لعرض الواقع الذي نعيشه، وهذا ما حدث تماماً في آخر رواياته »غرفة ترى النيل« والتي قدم فيها بصورة ورؤية مختلفة أوضاع مصر في الوقت الحالي،
في حوارنا معه أكد على عدم اهتمامه باستخدام النشر الإلكتروني المقروء، لأن الكتاب المقروء لا يزال هو الأقوى وهو المطلوب، فإلى نص الحوار : ٭ أنت منحاز لما يسميه النقاد جمالية الكتابة، إلى أي مدى حققت ذلك في روايتك الصادرة حديثاً »غرفة ترى النيل«؟
ـــ نعم ، أنا منحاز لفكرة جماليات الكتابة، بمعنى أن تكون الرواية الأدبية أساسها إمتاع القارئ بما تحتويه من جوانب وأبعاد فكرية ذات مغزى ومضمون هادف، وبجانب هذه المتعة يجب أن تكون الرواية ذات توجه فكري حول مشكلة أو قضية بعينها، وعندما بدأت في كتابة »غرفة ترى النيل« قصدت تقديم إشارات وإيحاءات كثيرة أهمها اختيار الاسم نفسه لأن النيل من وجهة نظري شعار مصر،
ولذلك فعندما تكون هناك غرفة يستطيع الإنسان من خلالها رؤيته فإن هذا تشبيه لإمكانية معرفة أحوال مصر سواء الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية من خلاله. بالإضافة إلى أنني قدمت إيحاءات أخرى كثيرة في هذه الرواية من خلال بطلها »عيسى« وهو كاتب روائي ولكنه لم يكتب حرفاً واحداً،
لأنه مصاب بعقدة الكمال ويرى أن اللغة وحدها عاجزة عن توصيل أفكاره التي يريد الإشارة إليها، كما أنه مصاب بمرض السرطان، وبرغم من هذا استطاع تكوين حالات من الصداقات ولكونه عاش في سلام دائم وسط مجتمعه، قابل الموت ببهجة وسرور دون خوف،
والسبب في تقديمي بطل الرواية بمريض بمثل هذا المرض هو أنني أردت تشبيهه بما يحدث من فساد داخل الإطار الاجتماعي في مصر بالسرطان وأن البناء العشوائي الذي يحدث داخل الأراضي الزراعية مثل الخلايا السرطانية التي تنمو داخل جسم الإنسان وتؤدي إلى موته، بالإضافة إلى بعض الإشارات الأخرى التي أوضحتها داخل الرواية مثل نزع ملكية أراضي العديد من الفلاحين في جزيرة الذهب والقيمة العليا والحقيقية لمعنى الصداقة.
ثوابت فكرية
٭التجربة الروائية في»غرفة ترى النيل« هل تختلف عن أسلوب كتاباتك في الأعمال السابقة؟
ـــ لا يوجد عمل روائي قدمته يشبه الآخر، ولكن هناك مجموعة ثوابت فكرية وأسلوبية أتماشى معها، مثل ميولي للجملة المكثفة المركزة لأنني أرى أن المبدع هو الذي يستطيع توصيل كل ما يريده من أفكار بإيجاز شديد وبأقل الكلمات الممكنة، لذلك معظم رواياتي عدد صفحاتها قليل، ولو أردت تقييم المنهج الفكري الذي أسير عليه من الممكن أن أقول أنني أهتم بحرية الإنسان وسعادته من خلال الحواس، باعتبارها المدخل الأكثر صدقاً للمعرفة بالعالم،
وللأسف عندما يتكلم أي مبدع عن الحواس يعتقد البعض أنه يقصد الجنس والجمال فقط، وهذا اعتقاد خاطئ لأن أي كاتب يضع في اعتباره الاهتمام بكل الإكراهات التي من الممكن أن تقع على الحواس وكل ما يبدد استمتاع الإنسان يجسده ويستوي في ذلك المنع الديني والقهر السياسي، ولو نظرنا للدراسات العربية التي تهتم بالجسد نراها متماشية وراء الدراسات الأجنبية التي تهتم بالجسد الجميل كنموذج، ولهذا فقد قررت في رواية»الأيك في المباهج والأحزان« الاهتمام بالجسد الذي شوهته الديكتاتورية، بمعنى أنه بالفعل يوجد تركيبة وبنيان جسماني للشخص الفاسد المتسلط، وأعتقد أن ذلك شيء جديد ومفيد علينا كثقافة عربية أو عالم ثالث مقموع.
٭أرى أنك تلجأ كثيراً للتشبيهات في أعمالك الأدبية؟
ــــ أكثر شيء قادر على توصيل أفكار المبدعين هو الاعتماد على التشبيهات الصحيحة، وأنا أحب دائماً توجيه أنظار القراء إلى المشاكل والقضايا التي أشعر بها بداخلي من خلال تشبيهات متماشية وقادرة، على توضيح الصورة التي أريد التعبير عنها.
الثقافة البصرية
٭بما تأثرت ملامح تجربتك الروائية؟
ــــ هناك أشياء كثيرة جداً تأثرت بها، فمعظم قراءاتي في الفلسفة والفكر والكتابات العظيمة في الفن الروائي والشعر بالإضافة إلى تأثير الثقافات الأخرى، فأنا شغوف بالثقافة البصرية والفن التشكيلي وسماع الموسيقى الكلاسيكية ودائماً أقرأ خارج نوعية الروايات التي أكتبها، لأن ذلك ينمي بداخلي أموراً أتأثر بها في كتاباتي الأدبية حتى أنني من الممكن أن أشاهد عملاً سينمائياً جيداً وأخرج منه بأفكار وأهداف يمكنني تضمينها في عمل روائي يحمل أبعاداً فكرية متميزة.
٭هل هناك طقوس تتبعها أثناء كتابتك لعمل أدبي؟
ـــ منذ أن خضت تجربة تأليف أعمال روائية وأنا أكتب على الكمبيوتر مباشرة حتى في مقالاتي الصحافية ولا استخدم القلم نهائياً في الكتابة، لأن الكمبيوتر وسيلة أسرع وتتيح للكاتب إمكانية حذف أو إضافة أي شيء وفي أي وقت، بالإضافة إلى أنني أحب سماع الموسيقى الكلاسيكية أثناء الكتابة لأنها تعطيني تركيزاً أكبر، ومن الأشياء المهمة أيضاً هو أنني أحرص على عدم إعطاء أي مواعيد أو مقابلات في الفترة التي أعكف فيها على كتابة رواية معينة لأنني دائماً أثناء الكتابة أحب الشعور بأن الزمن مفتوح تماماً وإلى آخر المدى، وأن أكون بعيداً عن الأحداث والمشاكل اليومية حتى يكون تركيزي في كتابة عمل أخلق منه إبداعاً متميزاً، ولكثرة المشاكل التي تحدث حالياً أحاول تذويب نفسي على الكتابة في أي وقت.
٭بعض الكتاب لجأوا للنشر الإلكتروني، هل من الممكن أن يؤثر ذلك سلبياً على الكتاب المقروء؟
ــــ أعتقد أن النشر الإلكتروني عبر الإنترنت دعامة قوية للكتاب المقروء بمعنى أنه وسيلة لعرض الكتاب للجمهور على نطاق واسع، وأنا دائماً أتعامل مع الوسيلتين ولا أشعر على الإطلاق بأن قراءة رواية عبر الإنترنت تجعلني لا أهتم بشرائها، وهناك توقعات خاطئة بأن الإنترنت سيلغي الكتاب المقروء لأن كل وسيلة تستطيع تكييف نفسها وإيجاد طريقها الخاص بها وبالقياس بفنون أخرى يمكن التنبؤ بأن الكتاب سيظل باقياً لأن الوسائل دائماً تتجاور ولا تتناقض مع بعضها والدليل أن السينما لم تلغ المسرح بالإضافة إلى أن النشر الإلكتروني بطبيعته أكثر زوالاً من الكتاب المطبوع لأن المادة الإلكترونية تفتقد حق التملك وتكون معرضة للزوال في أي وقت.
الكتابة الإبداعية
٭وهل تعاملت مع النشر الإلكتروني قبل ذلك؟
ـــ لا، لأن النشر الإلكتروني بوابة بدون حارس، ولا يوجد تقييم للأعمال التي تنشأ من خلالها، ولذلك فإن النشر الإلكتروني من هذه الرواية يؤذي الكتابة الإبداعية لأنه أعطى الفرصة لأي عمل روائي حتى ولو كان سيئاً ومبتذلاً للنشر وتحقيق نسبة مقروئية عالية وهذا يختل جزئياً بالنسبة للنشء المدفوع، وبشكل عام عدم وجود رقابة على الإنترنت سيجعل الرواية في انحدار سلبي بشكل مستمر وملحوظ.
٭البعض يقول أن الكتابة الروائية أصبحت في أزمة، وتعاني قلة النصوص المتميزة؟
ـ لا، لأن الرواية الآن أصبحت دليل الصحة الوحيد وسط الخراب العربي في الفترة الحالية وأعتقد أنها الشيء الوحيد الذي به نوع من التماسك وإلى الآن الرواية العربية تحقق مستوى عالياً من الإجادة، والدليل أن هناك آلاف الروايات العربية تقدم من خلالها أفكار جريئة وموضوعات مهمة يجب الإشارة إليها، والكتابة بشكل عام ابنة مجتمعها ومن الضروري أن تكون متقدمة عليه وأعتقد أن هذا هو السائد في إطار الوضع الحالي للرواية العربية.
٭ كيف ترى دور المثقف العربي أمام التغيرات السياسية والاجتماعية التي تحدث الآن؟
ــــ هناك مهمة آتية في الفترة الحالية وهي التصدي بقدر الإمكان لظواهر الفساد والأمركة السائدة في الوطن العربي هذه الفترة وهذه ليست مسؤولية المثقفين فقط بل كل إنسان عربي مطالب بأن يبدأ في إصلاح نفسه ومهنته، ولكننا حتى الآن نعاني من أعمال روائية سيئة في مضمونها وأهدافها الفكرية، وبصراحة أن أفضل قراءة رواية مكتوبة عن الحب عن رواية أخرى تناقش القضية الفلسطينية، لكنها مكتوبة بشكل سيئ ولا يلبى الشروط الفنية للرواية ولم يحقق الشروط الجمالية لفن الكتابة الأدبية.
٭ما الشروط الجمالية من وجهة نظرك؟
ــــ الإتقان وتحقيق المتعة في القراءة ، بالإضافة إلى البناء الفني الجيد وتقديم شخصيات يلمسها الكاتب من خلال نظرته الإبداعية إلى المجتمع ومشاكله، وبشكل عام أنا لا اكترث إطلاقاً بالفكرة أو القضية في كتابة الرواية لأن قضية الرواية هي الجودة الفنية المقدمة من خلالها.
خدمة »وكالة الصحافة العربية«
