حين يضيء الورد، بغابات الحزن الأولى ويتنهر الوجع بأعالي البرد الذابل خلف ناصية تلك المسالك الحافية من دنس الغصون، حين يتوقف الدمع عن مهمته الخالدة في شراء تذكرة الألم، يبتسم القبو بمن لم يبتسم بعد وتغدو جاذبية الفجيعة هي الأكثر صحواً والأشرع موجاً وهي تقترح الفضيلة لملء قلوبنا بالحياة وطينة الحياة بوحاً أو ولوجاً إلى تلك الأزمنة المحروثة بالأنين والتشظي ويقظة الفؤاد.. عند ذاك، حتماً ستحزمنا القصائد صوب بوابة الأمل ويجبلنا الفزع حالما نفرغ من تلاوة الوجع فوق سفوح المتاهة والضباب وتخمة المسافات الداكنة.
لتأتي القصيدة في لذة الصمت مثل عشب منير يبلله صوتها وهي تفترس حطب الضوء إلى حيث دكاكين المسرة وسحاب وحدتنا القاتلة، ليغدو الشعر سرباً من طرائد المحبة وهي تنقش فوق خرير اللهب رأس ذلك الألم المسكون قرب تخوم الذبول.
ليوقظنا مما نحن فيه، ولتقودنا نحو ملاذها المضيء وهي تقترح عشبة الروح التي تناهت في بياض المطر وشمس السكون وحلاوة الشتاء، إنه الشعر حين يزدحم بالشعر.
وللدخول إلى مدائن »مس من شتاء« للشاعر إبراهيم محمد إبراهيم سوف نلتمس سريعاً تلك المناخات والطقوس التي تحلق في فضاء شعري يبوحه الشاعر بشغف شديد الحزن ويمارسه بلغة ذات جماليات محدودة رغم ملامستها للعصب الإبداعي العام.
صباح شعري مفتون بالقطيعة، تنطلق القصائد منه وإليه، معلنة نشوتها أو بكائياتها من خلال ذلك الانفتاح على تلك المروج الغامضة التي تغلف هوس الهواجس الذاتية المولد، أملاً منه في اصطياد ما يمكن اصطياده لذات الحروف وهي تسلك طريق الوعورة وصولاً إلى طمأنينة البوح والنشوة العارمة.
بل إنه الإحساس الفطري الذي يتخذ من بهاءات التعبير مسلكاً له، ملامساً الشعور العام بالحياة وما وراء الحياة حيث هتاف الحلم وهو يقترح الحب على حركة الزمان والمكان، تصاحبه متعة شعرية تغلق نرجسة الذات وتحيلها إلى مدفن القلب حيث الروح الملأى بالتوتر وبالورد وبالقطيعة، من خلال بناء علاقات دلالية وانفعالية تحاول تأثيث ما يمكن أن نطلق عليه رغاب النزوح إلى دهشة أو فتنة ما.
إن نصوص إبراهيم محمد إبراهيم المنزوعة اليباب لتأتي من قلب يصارع الخصب عسى أن يهديه إلى حيث هناك حيث تتشابك الأشياء بذات الأشياء وتصبح القصيدة هي النافذة الحقيقية للانطلاق إلى مدائن الشاعر المرجومة بالعشق وطين الحب للغوص فيها لإنتاج ذلك التلاحم بين العناصر الداخلية للنص وبين قبوه النازف بدمعة تأبى أن تروي ظمأ الفؤاد، في اتباع الطرق المألوفة في البوح وتقديم ذلك النسق الوجداني وما يصاحبه من نزف الذاكرة البصري واحتلام المخيلة، وما يعلو جسد النصوص من هدوء شفيف يغلف خارطة السرد الشعري وآلة الطغيان بالإحساس الروحي بالحلم الذي لم يأت بعد.
أسرار النرجس ومد الحب والوقت الضالع في مدن الليل حيث العشق هو الطريق إلى الإنسان وأقداح الغايات القسوى والبشارة،
»أوسع ما في الكون يضيق
إذا انفتح القلب لها
ولها
يسهو.. فتفر الأيام خفاقاً
من بين يديه ويكبو..
مثل حروف العشق على شفتيه
إن فز ليدرك ما فات
إذا انتبها«
إن الشاعر وعبر ترحاله المضيء في طقس النشيد ليعمل جاهداً لتحقيق رؤية ذات فضاء يرتبط وثيمة ذلك الكائن الشعري المحاط بالالفة والتبسم والمطر رغم ما يبوحه قبوه الدامع بالأمل.
فالمدلول الشعري في قصائد إبراهيم محمد إبراهيم يحمل مسافة ثقافية موجعة تنطلق من لغة أقل ما يقال عنها أنها لغة تحاول الوصول إلى ذلك الموروث الإنساني بعيداً عن فتنة الغموض المجاني ومنهجية الكلمات الجاهزة فلا تقدم لنا قصائده قلقاً في الرؤية المنزوعة من جسد النص رغم وعي البوح بل لتؤثث لاكتشاف أوردة النص الذي بلغ الحزن قديماً، كدلالة أو كقيمة إنسانية لتكريس الفعل التعبيري الذي ينمو تباعاً ويزدهر على هيكل البناء، فمدلولاته الشعرية لا تتبنى موقفاً فردياً بل لتلامس ذلك العصب الإنساني المكدس بحطب الحب وفاكهة التعب الخالدة.
إن قراءة سريعة ربما لا تستوفي شروط التوهج المعرفي على مثل هذه النصوص المشتعلة بذاتها في محاولة منه لكشف النقاب عن فراديس الأمل المعبأة بجرح الشتاء وما يرتبط به الشاعر من خلال نتاجه الواقعي والحسي على جسد القصيدة، فالجنس الشعري لا يرتكز في نصوصه على بنية تتشكل من العلاقات الدلالية فقط بل ليتعداه إلى ما هو أقصى الفؤاد والمخيلة.
حيث يتشكل اللامرئي والمحسوس من خلال وعي شعري يحفز صاحب النص إلى حيث الطمأنينة. سحر اللغة والتحليق في أوصالها التي تعي حقائق المحبة وشروط التوهج صوب آفاق القصيدة. قصيدة ليست عصية على الفهم ولا غارقة في الوهم الشعري. قصيدة تقذف في إناء الروح شغف الصباحات والمساء المتبل بيمامات الطين إلى حيث الأنهار.
»من أي سماء هذا الماء
استوحى رقته في الليل؟
وأي الطين سيحمله
ويحمله سر الخلق الأمثل؟
جاوزت الحد كساعة عمرك
أدخلت النخل بغير مواسمه
وسريت بروح حمامتك البيضاء
على كف الفرحة في غابات النجم
وعدت حزيناً«
رئة مدماة بالكشف وما هو إبداعي يسهم في تطور القصيدة الإماراتية على صعيد التناول والدلالات والحضور، هكذا هي نصوص إبراهيم محمد إبراهيم التي تتفتح على كل الأشياء ومن الأشياء ونارها المتوهجة بالخصب وبالأمل والهطول.
قاسم سعودي
