عرفنا من تاريخ الأمم والشعوب، الكثير من المعلومات عن مواجهاتها للمستعمر أو الظالم، أو المستلب، وبرز قادة تاريخيون في حياة تلك الأمم، بعضهم رحل عن هذه الدنيا، لكنهم ظلوا أحياء لا في ذاكرة شعوبهم فحسب، بل في ذاكرة كل الشرفاء من البشر، ونستعيد ذكراهم وأساليب مقاومتهم كلما مرت بنا أوقات عصيبة ومريرة مثل الأزمة التي تعيشها الأمة اليوم.

وقد تعلمنا من كل أساليب المقاومة في العالم أن الإنسان هو الأساس، وأن الوطن غالٍ، والعدالة مصيرية، وأن الشعوب تنتصر بشكل حتمي متى ما توفرت ظروف انتصارها ولو بعد حين، في تاريخنا العربي ما زلنا نذكر ثورة الحسين (ع)، واستشهاده، كما لا ننسى عبد الله بن محمد قائد ثورة الزنج في البصرة الذي يعتبر أول ثائر على التمييز العنصري.

في القرن العشرين ثمة عدد من الثوار وقادة للمقاومة الذين رحلوا بعد أن سجلوا بصماتهم في كتب التاريخ. شارل ديغول، قائد المقاومة الشعبية الفرنسية ضد جيوش هتلر النازية التي احتلت فرنسا، ودوره الطليعي في قيادة تلك المقاومة التي ساعدت ومهدت لانتصار جيوش الحلفاء وتحرير فرنسا.

غاندي.. قائد الجموع الفقيرة الجائعة، المحامي الهندي خريج الجامعات الإنجليزية، فيلسوف الهند، الذي علم الإنجليز درساً يساوي كل ما تعلمه من علم القانون والمعرفة في جامعاتهم، واشتهر بعنزته التي كان يقتات عليها وبصلابة موقفه وسلمية ثورته التي حرر بها شبه القارة الهندية من الاستعمار البريطاني، وكانت الهند تسمى جوهرة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لقد تحول غاندي إلى رمز من رموز الهند سيظل خالداً على مر العصور والأزمان وستظل حكاياته تروى لأجيال بعد أجيال.

في جنوب افريقيا، وفي قلب الصراع العنصري، وأمام الطاغوت الاستعماري الأوروبي، وكل أساليبه في الفتك بالشعوب، والسجون التي زج بها أبناء البلد، يظهر مانديلا بصموده وفلسفته وحكمته في القيادة، ويضرب مثلاً لم يسبق لأحد أن مارسه، لقد صمد داخل زنزانته الانفرادية الصغيرة، أكثر من ربع قرن، يقود المقاومة وهو في سجنه، خرج من بعدها منتصراً، وليكرس في بلاده الديمقراطية، وتكافؤ الفرص، وإلغاء التمييز العنصري ونشر العدالة، ومبادئ كثيرة رسخها في سجنه، وفي موقعه كرئيس جنوب افريقيا بعد ذلك، إن مانديلا حالة استثنائية من البشر أو بالأحرى من القادة الذين عرفهم التاريخ قديماً وحديثاً.

في فلسطين، وفي خضم الصراع العربي الإسرائيلي، يظهر ياسر عرفات »أبو عمار« من بين ركام الموت ومخيمات اللاجئين، ليجعل للفلسطينيين حركتهم وتنظيمهم السياسي والعسكري، ومن ثم يقاوم في عدة جبهات وفي صراعات مختلفة، ليودع الحياة بعد أن حقق للفلسطينيين العديد من المكاسب من خلال صموده وحركته، على الرغم من وجود العديد من الملاحظات حول مسيرته السابقة، لكنها لا تؤثر عليه كقائد تاريخي للمقاومة الفلسطينية.

ولعل جيفارا المولود في الأرجنتين، أكثر قادة المقاومة شهرة، والذي يمثل المقاومة في أكثر من بلد، جنوب أميركا، أوحتى إفريقيا.. جيفارا الطبيب البرجوازي الذي أصبح ثائراً أرجنتينيا، كوبياً، بوليفياً، انتصر لفيتنام، وللجزائر ولافريقيا، جرب الحزب الشيوعي الكوبي، ثم انتفض على الحكم في كوبا لأنه لا إنساني تجاه أعداء النظام، وترك كل مناصبه الرسمية ليعود مناضلاً، لنصره الإنسان.

جيفارا يقول »إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني«. لقد اغتالوا جيفارا في التاسع من أكتوبر 1967، ولكنهم فشلوا في اغتيال الإنسان والفكر والروح، وتحول اسمه إلى رمز في قلوب ملايين البشر الذين عانوا من الاضطهاد والظلم. قاتلوه لم يتركوا له قبراً.. فأصبح حياً في كل قلوب المقهورين والمضطهدين، ورمزاً أممياً للرفض والثورة.

abdulelah_q@hotmail.com