كان مصورا ذا طبيعة خاصة. يُعرف بين زملائه بأنه أقرب في قوته المهنية إلى جيش يتكون من فرد واحد. وما يجعله أكثر قربا منا في العالم العربي هو أنه اعتنق الإسلام بعد أن تعرف من خلال رحلاته التي كان يغطي فيها أحداثا في الشرق الأوسط والشرق الأقصى على ماهية هذا الدين الحنيف.

إنه المصور الأميركي توم أبركرومبي، الذي توفي أخيرا عن عمر يناهز 75 عاما، قضى 60 عاما منها في مهنة التصوير الصحافي وأخرج خلالها مجموعة من أفضل الصور عن أبرز الأحداث التي مر بها العالم خلال نصف قرن من الزمن، حيث كان قد بدأ هواية التصوير في سن مبكرة، وهو لم يكن قد تعدى 15 عاما.

وقضى أبركرومبي معظم حياته المهنية بين جدران واحدة من أكبر مجلات العالم المعروفة باعتمادها في المقام الأول على الصورة لتوصيل المعلومة، وهي مجلة «ناشيونال جيوغرافيك». وكان أبركرومبي قد تقاعد من «ناشيونال جيوغرافيك» في 1994 بعد رحلة عمل طويلة زار خلالها كل قارات العالم وأتقن خلالها أربع لغات غير لغته الأصلية، وتعرض خلالها للموت مرات عديدة، غير أنه لم يكن يخشى الانتقال إلى عالم آخر بقدر ما كان يخشى الفشل في التقاط الصورة التي يريدها.

وأثناء سنواته الثماني والثلاثين التي قضاها الرجل في تلك المجلة المرموقة، عمل ككاتب ومصور وصحافي للمجلة في اليابان وكمبوديا وهضبة التبت وفنزويلا وإسبانيا وأستراليا وألاسكا والبرازيل. وكان أول مصور على الإطلاق يراسل المجلة من القطب الجنوبي.

غير أن أبرز إسهاماته المهنية بلا شك كانت تلك التحقيقات الستة عشر المصورة التي كتبها عن العالم الإسلامي في الفترة بين عامي 1956 و1994،وهي التحقيقات التي عرفت قراء «ناشيونال جيوغرافيك» على الطبيعة الجغرافية الساحرة والبديعة والاستثنائية لمنطقة قد تكون بالنسبة لكثيرين في العالم الغربي حينذاك، بل وحتى الآن، غير معروفة أو غير معلومة الهوية، وهي منطقة العالم العربي.

وربما كانت بداية عمله الخارجي، أي خارج الحدود الأميركية، هي التي ساهمت بشكل فعلي في توطيد علاقته بالعالم الإسلامي، حيث كُلف بالسفر إلى لبنان في أول مهمة خارجية له. وهناك وجد المصور الشاب القادم من ولاية مينسوتا الأميركية أنه يستطيع أن يجري حوارا مع أي أحد يريده بكل سهولة. بل انه ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عندما التقى الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون الذي كان يُعرف بحدة طباعه،

ولكن أبركرومبي نجح في كسب ود الرئيس اللبناني الأسبق واستطاع إقناعه بتصويره هو وزوجته وهما جالسان تحت شجرة في قصره.وفي إحدى المدن اللبنانية زار أبركرومبي أحد المساجد، وتعليقا على تلك الزيارة قال المصور الشهير: «بعد أن انتهت الصلاة، اختلطت بالناس وتجاذبت معهم أطراف الحديث ومشيت في الأزقة ورأيت الشحاذين في الشوارع. لقد شعرت بهذا النوع من الدفء الذي يبث في نفسك الشعور بالانتماء. لقد أشعرني الناس هناك بأنني واحد منهم».

يقول عنه جيم ستانفيلد، زميله في ناشيونال جيوغرافيك: «أبركرومبي حاد الطباع للغاية في عمله ولكنه لطيف بالقدر ذاته في تعامله مع الناس، ومن ثم فإنه يحصل على ما يريد منهم في صوره. إنه مستمع جيد للغاية لكل من يتعامل معهم. من الممكن أن تجده يقضي ساعات طويلة مع أحدهم في إحدى المقاهي يدخن ويحتسي القهوة ويتحدث عن أمور شتى. إنه يتمتع بقدرة هائلة على سبر غور الأمور وحب كبير للمعرفة وحب الاستطلاع. ولأنه يقضي أوقاتا طويلة مع الناس، فإنه يستطيع أن يستحوذ على ثقتهم بسهولة. وحتى في حال ألا يستطيع التحدث إلى الشخص بلغته الأصلية، فإنه يجد وسيلة ما للحصول على ثقته».

ترجمة: حاتم حسين

عن «ناشونال جيوغرافيك»