لم تكن رواية «زينب» التي ظهرت عام 1914 هي الرواية العربية الأولى، فقد ظهر قبلها بسنوات طويلة رواية «نتائج الأحوال» التي تعتبر أول رواية عربية نسوية حيث صدرت في العام 1885 بتوقيع عائشة التيمورية، ثم ظهرت رواية للكاتبة اللبنانية أليس البستاني في لبنان،
وبذلك يكون تاريخ الرواية النسوية قديماً ومثيراً للجدل، خاصة ان هذا السبق لرواية المرأة أعقبه تراجع وانقطاع دام حتى أوائل القرن الماضي حيث ظهر ما يسمى بجيل الرائدات، فطالعنا من تلك الفترة ملك حفني ناصف، ونبوية موسى، وزينب فواز وغيرهن واتسمت تلك الكتابات بالصبغة المثالية، وصيغة النصائح الاجتماعية للمرأة، والآراء الثورية بغرض حث المرأة على المشاركة في النضال السياسي.
لكن الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين، ومع حضور كتابة المرأة بشكل ملحوظ، أين صار موقع رواية المرأة على خارطة الرواية العربية، وما علاقة المرأة بكتاباتها ككل بعد كل هذا الانفتاح الثقافي الذي نشهده، والذي صار متعدد الروافد والمجالات، هذه التساؤلات استقصينا إجاباتها من كاتبات عربيات خضن غمار الكتابة عبر زمن طويل وأثبتن قدرتهن على الاستمرار في طريق الكلمة الذي اخترنه منذ البداية، وكما يقول غاسنون بأشلاء الكتابة المبدعة إمكانية كل امرأة لأنها فعل أنوثة يعتمد الحدس والشفافية والطلاقة والعمق وهذا جوهر الأنوثة وحقيقتها.
الروائية اللبنانية إميلي نصرالله التي حدد لها العديد من الأعمال الروائية والقصصية مثل الرهينة، رواية طيور أيلول «رواية» و«الإقلاع عكس الزمن «رواية»، وبات نتاجها منقولاً إلى معظم لغات العالم امتازت كتابتها عموماً بالتطرق إلى عوالم المدينة ومقارنتها بحياة القرى الجبلية ثم أثر هذه التحولات على حياة المرأة كما في طيور أيلول وفي الوقت الذي تبدو فيه رواية الرهينة أكثر حساسية في ملامسة أوضاع المرأة المرتهنة لإرادة الرجل حيث تباع بطلتها وهي طفلة لرجل ثري يدعى نمرود يحكم قبضته على حياتها كلها:
فإننا نجد إميلي نصرالله في سائر أعمالها تتأمل في وضع المرأة ومدى قدرتها على الإبداع، وهي عندما تصف علاقتها بالكتابة كلها تقول ثمة فعل من أفعال العشق الغريب يقوم بيني وبين الكلمات، ندخل سوياً الغرف السرية ونغوص في دهاليز لولا الكتابة لبقيت مظلمة، وحين ندخل أبصر كيف تشعشع المصابيح وتضاء الأنوار في السراديب والأقبية، وكيف تتحول الكلمات إلى قناديل معلقة توزع الفرح، الكتابة، مثل: أحوال العشق الصوفي، لهبته أبداً مشتعلة، وحرقة لا ترتوي، ومداه بلا حدود، سباحة عكس التيار.
الروائية المصرية هالة البدري صاحبة رواية منتهى وامرأة ما الرواية التي ترجمت لأكثر من لغة، وأيضا رواية السباحة في قمقم، وغير ذلك من الأعمال القصصية والروائية ترى أن الكتابة فعل حرية، ومحاولة للمعرفة، فالكتابة طريقها الخاص للمعرفة لكنها كلما توغلت فيها اكتشفت أنها سؤال متصل يسعى إلى الاشتباك مع أسئلة أخرى تبدو إجاباتها كسراب.
وتقول البدري : إن رواية المرأة يجب أن تقرأ بعيدة عن شرطها الجنسي، فالنساء بوسعهن التفكير في أشياء أخري غير كونهن نساء وهي لم تكتب تلك الكتابة المسماة بالنسوية بل تحاول أن تتناول أشياء تخصها كإنسانة وكمواطنة عربية في مصر، فمثلاً أول قصة كتبتها كانت عن استشهاد عبدالمنعم رياض، وهذه قضية وطنية لا تتعلق بواقعها كامرأة.
في حين تبدو شهادة الرواية اللبنانية المميزة هدى بركات مختلفة نوعاً ما، هدى بركات التي كتبت روايتها الرائعة أهل الهوى عبر لسان رجل، وأصدرت مؤخرا رواية سيدي وحبيبي، تقول: ببساطة لا أريد أن أصدر الأنين المتوقع من شكوى قبيلة النساء نفسها، سأقفز في الفراغ خارجه عن جنسي إلى الكتابة التي بلا جنس، لا تعجبني سيموي دو بوفوار وبخاصة في أدبها المناضل، وهي لم تعلمني شيئا وليس لديها حق حين قالت جملتها الشهيرة المتشكية: «إننا لا نولد نساء بل المجتمع هو الذي يحولنا إلى نساء» هذا الكلام لا يعجبني إننا نولد نساء وهذا رائع ونتحول إلى نساء أيضا وهذا ما علينا أن نكافح من أجله ما استطعنا.
زمن الرواية كانت الكاتبة التشيلية ايزابيل اللندي في الأربعين عندما بدأت الكتابة، وهي تصف هذه المرحلة بقولها في الوقت الذي ترفو فيه النساء جوارب أحفادهن بدأت الكتابة، من هنا تبدو حكاية المرأة مع الكتابة قصة متوغلة ومتفرعة في عدة اتجاهات تفرض تنوعاً في المقاربات والآراء التي تساعد في الإضاءة على أكبر قدر منه.
الروائية سلوى بكر التي كتبت الرواية التاريخية في البشموري رواية من جزأين، وكتبت عن واقع المرأة المصرية في عجين الفلاحة ووصف البلبل، وأيضا في العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء، تتحدث عن واقع كتابة المرأة ككل وتحاول أن تصف بكلماتها علاقة المرأة بالرواية تقول: أصبحت الكتابة النسائية الآن ـ وخصوصا الكتابة الروائية ـ قادرة على أن تستشرق أفقا يتيح للمرأة التعبير عن ذاتها وعن وجودها في المجتمع العربي الذي فرض عليها وصاية في مجال التعبير الأدبي الذي كاد الرجل أن يستأثر به،
والروايات الصادرة لنساء عديدات في مصر، وفي الوطن العربي خلال السنوات الأخيرة تؤكد مقولة أن الكاتبة العربية تعيش زمن الرواية، وأعتقد أن السبب الرئيسي الذي يفسر هذه الزيادة الكبيرة والمطردة في الإبداعات الروائية لكاتبات عربيات على مستوى الكم والكيف، هو أن المرأة أبدعت حينما توافر لها المناخ المناسب والملائم، وعندما توافرت لها الشروط خاضت تجربة الكتابة لحسابها حاملة معها خصوصيتها الاجتماعية والعاطفية والفيزيقية..
وهكذا فبعد أن مارست المرأة العربية أشكالا مختلفة للكتابة مقترنة بتجربة النضال في سبيل حقوقها ارتادت مغامرة الكتابة الأدبية بكل صعوباتها من أجل استنطاق الذات التي ظلت أمداً طويلاً مستبعدة وممنوعة، واستطاعت إعادة النظر واستنطاق المسكوت عنه.
الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة التي كونت خطابها السردي في ثنائية المرأة والوطن حاولت أن تشكل في رواياتها ثقافة نسوية تحررية في نموذج المرأة الجديدة المتمردة على الواقع المسكون بالقيم الأبوية الذكورية، وسحر خليفة صاحبة روايات الصبار، ومذكرات امرأة غير واقعية،
وحورة وأيقونة وعهد قديم ولم نعد جواري لكم، تكشف أنها لا تخنق خطابها السردي في إطار نسوي شوفي، بل تتجاوز الذات النسوية المعذبة والطبقة النسوية المضطهدة إلى دائرة حرصها، على الالتزام بموقع التضاد الفلسطيني مع العدو الصهيوني، وسحر خليفة في معظم رواياتها تحرض المرأة على الاستمرار والمقاومة عن طريق الصمود أولاً في وجه الاحتلال مركزة على الانتفاضة الشعبية التي تظهر فيها المرأة أكثر حكمة وفاعلية من الرجل.
رواية المرأة وتفرق الكاتبة نعمات البحيري بين الكتابة النسائية والكتابة النسوية، فالكتابة النسائية هي كل ما تكتبه المرأة، بينما الكتابة النسوية هي التي تعي، وتتبني قضية المرأة في العالم العربي، وقد يكون أصحاب هذه الكتابة من الرجال، ورواية المرأة تنتمي إلى الكتابة النسائية وهي لم تقتصر على الموضوعات المتعلقة بقضايا المرأة بل اتسعت لمعالجة كل قضايا الوطن، وهي تميز بين تيارات في رواية المرأة، فما تكتبه مثلاً رضوى عاشور وهالة البدري وسلوى بكر، غير ما تكتبه نوال السعداوي، بينما كاتبات جيل الثمانينات وجيل التسعينات يكتبن رواية مختلفة عن هذين التيارين وإن كانت كتابتهن لا تتخذ شكلاً واحداً ونمطاً واحداً.
وترجع البحيري الغزارة الواضحة في رواية المرأة في العقدين الأخيرين إلى عاملين أولهما، أن الرواية تعيش حالة ازدهار واسعة واتجه إليها أغلب كتاب القصة من رجال ونساء، وثانيهما أن المشهد الروائي النسائي يشهد اتساعاً كبيراً، فهي وإن أشارت إلى اصطحابه بتيارات عدة فهو أيضا يتسع لأكثر من جيل منذ جيل نوال السعداوي وحتى جيل مي تلمساني ونورا أمين.
الكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق التي صدر لها ثلاث روايات مزاج مراهقة، تاء النحل، واكتشاف الشهوة، تطرح في أعمالها مشكلات المرأة الجزائرية مع مجتمعها، وإذ تنتمي فضيلة للجيل الجديد من الكاتبات الجزائريات فإنها لا تتردد في مقاربة مسألة المرأة والجنس في روايتها الصادرة مؤخرا عن دار الريس في بيروت اكتشاف الشهوة.
وتصف فضيلة علاقتها بالكتابة بالقول: «من بين الدروس الأولى التي تعلمتها في المدرسة هي قول الحقيقة ولو مرة وهذا ما أفعله، أنا لم أقل شيئا من اختراعي إنها الحقيقة كاملة، ودائما أقول إن الأدب ليس خلقا ولكنه إعادة ترتيب، لما هو موجود والدليل أننا حين نكتب نلتقي بأشخاص لم نعرفهم من قبل يدهشوننا حين يقولون انهم وجدوا أنفسهم في رواياتنا،
وتتابع فضيلة قائلة حول وضع رواية المرأة هناك كاتبات لا يتسع المقام لذكرهن الآن ولكن علينا أن نزور المكتبات ونقرأ ونكتشف قوة النساء في السرد وصنع الحكايات، والمشكلة الحقيقية التي تعترضنا هي أننا نقرأ كإناث لا ككاتبات، وكل أولئك الذين يدعون أن لا أدب نسائي وأدب رجالي وأن الأدب واحد دون جنس يكذبون علينا في الغالب، المرأة تكتب عن قضاياها ومشكلاتها، وكل هذه الأشياء وجدت لأنها أنثى، المرأة تكتب من أجل السلام والمحبة والحصول على الاحترام وتغيير العالم نحو الأفضل.
أما الرجال فإنهم يكتبون من أجل قلب أنظمة، من أجل التبشير بفكر معين، من أجل تصفية حسابات مع زملاء لهم، وإن كان هناك من يكتب من أجل قضايا شريفة ونظيفة لكن قليلاً ما ينصفون المرأة، لنكن واقعيين ولنختصر ليقولوا ما شاءوا فعدد الكاتبات في ازدياد وأدبهن سيحظى باحترام أكثر مع مرور الزمن.
وكالة الصحافة العربية