دارت الأرض، انطفأ النور، في سهولة ويسر، حل الظلام. لم أدر بشيء. رحلت إلى المدن البعيدة، التي أحببتها.. المدن التي تربص فيها ـ الموت ـ سنوات، على شكل عدو يحمل سلاحه ويخرج الحمم من فوهة مدافعه. قضيت الليالي الساكنة وهو جاسم على صدري، في البر الشرقي، موقع (عيون موسى) على خليج السويس.

أظل أراقبه ليأتي إلينا، وجهاً لوجه، لكنه لا يأتي إلا ومعه الموت والدمار والخراب. الدانات التي يلقيها على الجزيرة الخضراء، تهز الأرض الصلبة، تحيل الصخور إلى ذرات وغبار وتراب، تهز المياه الزرقاء، تعلو وتتلاطم وتتكسر على رصيف الميناء الصامت. تستقر هذه الفورة في بطن جبل عتاقة، يمتصها بهدوء وراحة البال.

جاء الموت على شكل شظية صغيرة جداً، استقرت في مؤخرة رأس (الأسكندراني) الشهيد أحمد حميدو وشهرته الأسكندراني. سقط ولا أحد يدري لماذا سقط؟! كل بدنه خالٍ من الإصابات. عندما حمله الجندي البدين (الشرقاوي) محمد يوسف، على عاتقه وركض به ـ بصعوبة ـ إلى موقع الإسعاف، وجد ثقباً صغيراً جداً، نفذت منه شظية متناهية الصغر إلى داخل الجمجمة، فسقط بهدوء.. بجوار البوابة الرئيسية لميناء(الأدبية). حجرة بيضاء مستطيلة الشكل وضعوها مكان أن سقط، كتبوا عليها: (هنا سقط الشهيد أحمد حميدو) وانتهى الأمر.

مشهد آخر، على(الدشمة) التي تلاصق البوابة الرئيسية، جلس شاب مذهولاً يحدث نفسه، ويسأل كل من مر عليه، بعد أن دمرت الدانات التي تزن الواحدة منها الألف رطل ـ وجه الحياة على الجزيرة الخضراء ـ لماذا ظل هو وحيداً على قيد الحياة، رغم الدانات التي ألقيت على موقعه وحملوا الأشلاء، وحملوه مع الشهداء بدمائهم وملابسهم، لم يدروا أنه مازال على قيد الحياة، لم يستيقظ من الحلم بعد. عندما نقلوه إلى مقابر الشهداء بالسويس وجدوه يتحرك، يتنفس..

إنه حي، كل هذه الأطنان من الدانات ويخرج من تحتها سليماً معافى !! أين هو الموت المتمثل في الجمجمة والعظمتين المتقاطعتين، الذي يأتي في شكل العدو من عيون موسى بالبر الشرقي، يقذف بالحمم فوق الرؤوس ويرسل الموت. كيف نجا هذا الشاب النحيل كعود الصفصاف اليابس؟! ليعاود الحلم من جديد. مازال الشاب في الحلم لم يستيقظ بعد.

قال لمن حوله: كل ما حدث لي وحولي كان حلماً.. وأنا مازلت نائماً !!. كلنا كنا نحلم.. نعيش في حلم طويل الأمد، نأكل ونشرب ونرحل إلى المدن البعيدة، نقابل أشخاصاً لم نلتق بهم من قبل. نمارس حياتنا ونزاول هوايتنا، نأخذ ونعطي، نكسب ونخسر، نتذكر عالم الطفولة البريئة، وعندما نموت.. نستيقظ.