فن الحفر المطبوع، واحد من ضروب الفن التشكيلي القديمة، نما وترعرع وتطور في أحضان الطباعة، دخلت عليه في الآونة الأخيرة، تقانات حديثة، نقلته من عالم الأبيض والأسود وتدرجاتهما من الرماديات إلى عالم الألوان، مع ذلك لا يزال العديد من المتلقين، يشيحون بوجوههم عنه، لصالح اللوحة زاهية الألوان، المطربة للعين، المدغدغة للأحاسيس.
ولأن فن الحفر المطبوع (الغرافيك) فن شائك وصعب المراس، وتتطلب عملية إنجازه أدوات وعدد ومكابس ومواد وأحماضا وخامات عديدة، لا تتوفر بسهولة لكل مزاوليه والمختصين فيه، هجره أهله إلى اختصاصات تشكيلية أخرى، متطلباتها أقل، وعزوف غالبية الناس عنه لصالح المسطح الزاهي الألوان، كرس هذه القطيعة بينه وبين مزاوليه، وبينه وبين المتلقي. مع ذلك هناك من يصر على ممارسته، وتقديم إبداعاته البصريّة من خلاله، ومن هؤلاء الفنانة البولندية (مارتا باناشاك) التي قدمت مجموعة من محفوراتها المتعددة التقانات، ضمن معرض فردي أقامته في دمشق، ثم نقلته إلى مصياف ... ومناطق أخرى في سوريا.
الفنانة مارتا حاصلة على دبلوم في الحفر المطبوع من كلية الفنون الجميلة في (وارسو) إضافة إلى دبلوم صحافة وعلوم اجتماعية. شاركت في العديد من المعارض الجماعية، وأقامت حتى الآن، أربعة معارض فردية. أقامت في دمشق لمدة سنة، حلت خلالها ضيفة متدربة في قسم الحفر والطباعة بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، بهدف تعميق معارفها، وتطوير خبراتها، وتوطيد تواصلها مع الحضارة السورية، بملامحها القديمة والجديدة، وقد انعكس هذا بوضوح في أعمال معرضها الأخير التي تناولت فيها الإنسان العاري، والوجوه، وشخصيات سوريّة وبولونية، متخيلة تارة، ومأخوذة من الواقع تارةً أخرى.
للفنانة مارتا خبرة كبيرة في الرسوم التوضيحيّة (الموتيف) فقد كرست موضوع تخرجها من كلية الفنون في (وارسو) لهذا اللون من فنون الغرافيك، استلهمتها من الروايات الإيطالية خلال القرون الوسطى. أما أعمال الحفر التي ضمها معرضها، فقد نوّعت في معالجتها لها، معتمدة أحياناً على الخط الناعم المنفذ بطريقة اللون المعكوس (النكتيف) أو العكس. كما استخدمت أسلوبية (اللينوليوم) الصلبة الخطوط، الواسعة المساحات الصماء، وهي في الصيغتين، تقدم نفسها رسامة ممتازة، وهذه خاصية ضرورية لكل حفار، حيث يشكل الرسم الرافعة الأساسية للمحفورة الناجحة.
أدخلت الفنانة مارتا اللون على بعض محفوراتها، فطاول الخطوط والمساحات، إنما بكثير من الشفافية التي أكدت الرسم وأبرزته. تطل من محفورات مارتا نزعة أكاديمية متينة الأساس، قوامها الرسم القوي المتمكن من تضاريس الجسد الإنساني وهيكليته، والتوظيف المتقن لعلاقة الأبيض والأسود، وهي علاقة محكمة ومدروسة، تنهض هي الأخرى، على الرسم،
ما يؤكد أننا حيال فنانة تُسخر الرسم بمهارة كبيرة، لخدمة البنية التشكيلية للمحفورة ولمضامينها في آنٍ معاً. ما يلفت الانتباه في محفورات مارتا، خلوها من الثرثرة التشكيلية، فهي تقول كل ما تريد، وبعمق، بالقليل من المفردات البصرية المتمحورة حول تضاريس الإنسان (وجهاً وبدناً).
د. محمود شاهين
