عبر مشواره الإبداعي والبحثي المديد.. قدم د.عفيف بهنسي عشرات الموسوعات والأبحاث التي سلطت الضوء على مسيرة الحضارة الإنسانية والإسلامية عبر العصور، مقدماً الدليل تلو الدليل على أن الحضارة العربية استطاعت أن تصل إلى القمم، مفنداً على الدوام الأوهام التوراتية، مستنداً إلى الحفريات والأبحاث التاريخية، وفي هذا الحوار الخاص يروي لـ (البيان)، حكاية لقائه بالمستشرق «روجيه غارودي»، ورؤيته لمشروع العواصم الثقافية الإسلامية، وكيف يمكن للدراما أن تكون في خدمة الحقائق والمنجزات الإبداعية.

ـ في أغلب أبحاثك ودراساتك تلح على فكرة أن الحضارة والثقافة لم ترتبط بالدين والعقيدة بشكل أساسي، فكيف يمكن الحديث عن الفعل الحضاري دون النظر إلى مرجعياته الثقافية؟

ـ لنتفق أولاً على أن أغلب الدراسات التي قدمت حتى الآن فيما يتعلق بالمنجزات العربية الإسلامية في هذه المنطقة، كانت تدور حول نقطة واحدة وهي كيف قامت هذه المنجزات على أسس فكرية ثقافية ثابتة كونت ما يمكن أن يسمى بالحضارة العربية الإسلامية التي أجزم أنها ليست إنجازات عسكرية أو فقهية،

وإنما هي إنجازات لها علاقة بإمداد الحضارة العالمية بنسغ معين من التفكير والإنجاز والإبداع، لكن «الغرب» لا يريد أن ينظر إلى هذه الناحية وإلى هذا الإنجاز الذي له علاقة بتكوين العقل والفكر العربي الإسلامي، والذي يمكن من خلاله تكوين منطلق جديد لمستقبل أفضل لما يمكن أن يسمى استمرارا لحضارة عربية استطاعت ذات يوم أن تصل إلى القمم، في الوقت الذي كانت فيه حضارات أخرى تستمد من هذه الحضارة أو تابعة لها بشكل من الأشكال.

ـ في إطار حديثك عن الحضارة العربية الإسلامية، هل يمكن الفصل بين العروبة والإسلام؟

ـ هذا السؤال ما زال مطروحاً.. لكنني أقول إنه لا يمكن أن نتحدث عن العروبة دون الحديث عن الإسلام، لكن العروبة ليست هي الإسلام، فالعروبة قديمة وهذه نقطة مهمة جداً، وعندما يحاول البعض أن ينسف من تاريخنا ما قبل الإسلام يكون قد وقع في خطأ فادح، لأن تلك الفترة كانت فعلاً أساس الوجود العربي، وهذا ما أثبتته الكشوف الأثرية،

وعندما نتحدث عن اللغة العربية نجد أنها كانت موجودة منذ الألف الرابع قبل الميلاد، بدءاً من «الأكاديين» ثم «العموريين»، وهذا يعني أن العروبة تبدأ من اللغة واسطة التبادل الفكري والثقافي، في الوقت الذي كان فيه التنوع والإبداع من سمات الحضارة الإسلامية، إلى جانب التفاعل القوي ما بين الفكر الإسلامي والحضارات ما زالت آثارها في كل العصور.

ـ وماذا عن لقائك بالمستشرق «روجيه غارودي» الذي زارك بدمشق، وما هي أبرز الأفكار التي ناقشتموها معاً؟

ـ يتمتع «غارودي» بخاصية متميزة، فقد مرَ خلال عمره المديد بالعديد من الثقافات التي تبناها، من المسيحية المتطرفة، إلى الشيوعية ثم عاد ليقف على قدميه فيما يتعلق بحضارة كانت بالنسبة له مجهولة تماماً، فتعرف على صلب العقيدة الإسلامية، وقد سرني جداً أنه في إحدى المناظرات في «تونس»، تحدث معتمداً على «التوراة»، فقمت ولفت نظره إلى أن «التوراة» لم تستطع أن تصمد أمام المنجزات الأثرية والحفريات في الأرض العربية، التي غيَرت الكثير من الأسس والمعطيات التي يقوم عليها التاريخ القديم، كما أن الأحداث التوراتية وهمية، افتراضية، لا تحمل حقيقة تاريخية، فتوقف عند هذه الملاحظة وأراد متابعتها، معترفاً أنه لم يكن على علم بهذه المنجزات.

بعد فترة وجيزة أعلمتني وزارة الإعلام أن «غارودي» وزوجته يرغبان بمقابلتي وكنت سعيداً جداً بهذه المقابلة وأنتظرها بالفعل، وقد جلسنا ساعات بينت له نقطة جوهرية وهي أن الفكر الإسلامي اعتمد على مبدأ أساسي هو «التوحيد»، لا لعزل الصنمية والوثنية وإنما كقضية حضارية، فسألني كيف، فقلت له: نحن نفهم الله بكل المعاني على أنه ليس شيئاً من الأشياء وإنما هو كل شيء وهو المطلق وسر الوجود، لذلك أعتقد أن هذه النقطة منذ نشأتها الأولى نقطة بالغة الأهمية،

فعندما كان العرب وغيرهم يتعبدون أمام تمثال من الطين أو التمر، لم يكن شيء يمكن أن يحدد بعداً ثقافياً وفكرياً يمكن أن تنهض من خلاله الحضارة، أما أن يكون هناك سر كبير في الوجود وأن تقف أمام هذا السر وتنتمي إلى مسؤولية الكشف عن هذا السر المطلق، لذلك أقول إن الإسلام دين حضاري، لأنه عندما نرتبط بالولاء الكامل لهذه القوة المطلقة ونسعى دائماً إلى التقرب منها والكشف عن أسرارها فهذه هي الحضارة التي تعني الكشف عن السر والمجهول،

لذلك حث الدين الإسلامي في (54 آية كريمة) قائلاً: «ألا تعقلون» ولم يقل «ألا تعبدون»، لأن العبادة شيء مختلف تماماً لها علاقة بالأخلاق، أما «ألا تعقلون» فلها علاقة بالحضارة، لذلك عندما قام الإسلام على هذا المبدأ وقام الفلاسفة العرب والعلماء يتحدثون عن أسرار الرؤية والسمع، وجدوا أن هذا الإنتاج الرائع الذي أنجزته تلك القوة المطلقة يحتاج فعلاً إلى اعتراف بمنجزات الخالق العظيم، فنحن كبشر لا نستطيع أن نعرف الخالق إلا من خلال منجزاته، هذا المبهر الذي يجعلنا في خشوع كامل أمام تلك القوة التي استطاعت أن تجعل الحياة في نظام كامل، يجب أن يكون عنوان ما يسمى بالحضارة والطريق إلى متابعة الإنجاز الحضاري.

ـ وهل تعتقد أن مشروع العواصم الثقافية الإسلامية، محاولة معاصرة لإبراز الفكر الإسلامي عبر العصور؟

ـ لا شك أنها فكرة رائعة تدل على وعي كامل، تذكر الناس بالإنجازات الحضارية التي لا تتعلق بالفرق والمذاهب والسلاطين والخلفاء بقدر الفاعلين في زواياهم وأركانهم وبيوتهم البسيطة وهم يقرأون ويسجلون آلاف الصفحات، هؤلاء شكلوا الحضارة الإسلامية، لذلك يلح علينا السؤال الأهم وهو كيف نستطيع أن نعرف بتراثنا ليس من خلال الكتب وإنما من خلال الواقع والمستجدات التي لم يتح لها أن تنشر وتدرس بتعمق، لذلك أجد هذه الفعاليات فرصة ثمينة سواء من قبل المستشرقين أو من قبل غير المواطنين للتفاعل الفكري والإبداعي لتقديم لغة جديدة معاصرة أكثر علمية وواقعية.

وفي هذه المناسبة أقول إن «حلب» تستأهل هذا الاحتفال لأنك إذا أردت أن تتحدث عن التراث الموجود في هذه المدينة، تجد أنه يأتي في الدرجة الثانية بعد «القاهرة»، سواء من ناحية التراث الموجود حالياً، كذلك الأفكار والأشخاص الكبار الذين عاشوا وأنتجوا في هذه المدينة وقد كان اختيار «حلب»عاصمة للثقافة الإسلامية موفقاً ومتأخراً أحياناً، ومع ذلك أرى أن هناك فعاليات مستمرة أستطيع أن أقول إنها جادة، خاصة أن أخواننا في «حلب» آمنوا بدور هذه المدينة تاريخياً وحضارياً.

أما بالنسبة لدمشق فستكون عاصمة للثقافة الإسلامية في عام 2008م، ونحن نستعد لهذا الحدث، فقد كانت دمشق بالفعل عاصمة الثقافة الإسلامية وما زالت تحاول أن تؤكد أنها عاصمة الفكر والطموح العربي، في الوقت الذي ما زالت تعتبر فيه أقدم مدينة في العالم بالمعنى الكامل للكلمة.

ـ من جهة أخرى هل يمكننا القول إن الدراما هي نافذتك الحالية للتعبير عن أفكارك التي طرحتها في أبحاثك وكتبك ومراجعك؟

ـ الآن الكلمة الأولى والأخيرة لإنتاج المرئي والمسموع، بصرف النظر عن وجود أزمة القراءة والكتابة، فهذه الشاشة التي تدخل إلى عقول الناس وعواطفهم وقلوبهم، تستطيع الآن أن تكون مركز البث الثقافي والفني والعلمي، وأنا أريد أن أتحدث عن المسلسلات التاريخية التي تزخر بالكثير من الوقائع والأحداث التي يغلب عليها نوع من الإبهام وعدم الوضوح، مع أنه يجب أن تقدم بشكل أكثر واقعية وموضوعية، وأن تكون هناك دراسة دقيقة فيما يتعلق بالنص التاريخي، ثم السيناريو الذي يجب أن يكون أيضاً علمياً مترابطاً من الناحية الفنية.

وقد أنجزت عدداً من النصوص التاريخية الرومانية والإغريقية وعصور الإسلام المختلفة، وبعضها يرجع إلى ما قبل التاريخ، قصدت من خلالها أن أقدم إثباتاً علمياً دقيقاً جداً، أنه كان لبلادنا وإنساننا دور قوي جداً على المستوى الإنساني والحضاري، وأنه كان دوماً ثمة حوار ونوع من التبادل الثقافي بين شعوب المنطقة.

ومؤخراً اطلعت على «شيفرة دافنشي» الفيلم الذي أثار ضجة كبيرة، وأستطيع القول إنه عمل سخيف جداً لا يمكن أن يقنع أي إنسان، لأنه اعتمد على وثائق متأخرة (1500عام) عن عهد السيد المسيح، وأريد أن أقول للذين صنعوا هذا الفيلم لماذا لم تتطلعوا على «لفائف قمران »التي عثر عليها في البحر الميت، فهذه اللفائف تعود فعلاً إلى عصر «المسيح»، وهي حبيسة أدراج «الفاتيكان» التي لا يرغب بنشرها، لكن لو استطاع أي مؤرخ أن يصل إلى هذه اللفائف ويعيد كتابة التاريخ المسيحي، عندها تكون هناك مشكلة تقوم على وثائق تاريخية، لا أن أعتمد على لوحة رسمها «دافنشي» في القرن السابع عشر بعد الميلاد.

ـ وبماذا تحب أن تنهي هذا الحوار؟

ـ هناك عواصم تستحق فعلاً أن تكون عواصم للثقافة الإسلامية، «القاهرة» كانت عاصمة للثقافة الإسلامية، و«بيروت» أيضاً، والآن دول الخليج أصبحت الآن مراكز لبث الثقافة، وقد كانت «الشارقة» و«مكة المكرمة» عواصم للثقافة الإسلامية، وأنا أشيد بالدور الذي قامت به «الكويت» في البداية، عندما أصدرت الكثير من الأعمال والأبحاث، وخاصة الإستراتجيات والخطط الشاملة، واليوم تتلقف «الإمارات العربية المتحدة» هذا الأمر، لذلك أشد على أيدي القائمين فيها، فإلى جانب تقديمها روادا «مواطنين» كانوا مغمورين، يبقى هدفها أن تكون مراكز إشعاع للفكر والبحث الثقافي الذي يمكن أن يشارك فيه جميع المثقفين في البلاد العربية.

حوار: أنس الأموي