حين تصير أصغر من الدمعة بكثير، يصير العجز نهايتك الحتمية.. وحين تجف الدمعة فيك تصير ثقباً في الصرخة لا يرجع للصدى أي حفيف.. وحين تنتمي للدمعة يزعم عتاة البرازخ أنك أوقدت في صدر الإنسانية ضعفاً لا يندمل، وأطفأت في نار السكينة أسطورة عنقاء الرماد. حين تصير الحقيقة عصية الملمس، والوهم يتسرب من عظامك دون خديعة التفاصيل، يرسم على الجدار ظلك دون طباشير، يغدو ماضيك خيال حاضرك ومستقبلك نعشك في زمن السوق السوداء لنعش القتيل..
تنشطر المعاني بك ومنك.. تتوهج، تتخثر، وتومض في خلاياك ندبة لا بريق لوجعها ولا صهيل لبحثها عن الجدوى في صلاة روحك على الغائب فيك.. يصير للحرف قراءات تشكيلية غرائيبيّة النبض حين تندلع من شرايينك ألوان فجيعتك.. وللوقت سنن ضوئية، وللعتمة حبال غسيل وخرائط من خرز، حين يتسرب العسكر من مدارسهم الداخلية إلى شوارع المهزلة بأقفال جديدة للصباحات المتمردة، وكتب مغايرة لأئمة المساجد، ومفاتيح صمّاء الطقة للآهات الثكلى..
تستيقظ من نومك.. تشعر أن ما يحدث الآن حدث منذ دهر عتيق.. تنفض جسدك.. ينسلخ الحلم عنك، يسحب معه خشونة صوتك وشعر بشرتك وربما...!؟ ينسلخ بتردد تشفق عليه رعشة أصابعك، لكنه يتحول رويدا.. رويدا.. إلى كابوس يوزع مراسم الدمع، فيحمل لك غبش الصباح دفاتر الفجائع المخضلة بالصور.. صورة تبكي طفلك شريدا، وأخرى تندبه قتيلا.. صورة تنعاه شهيداّ، وأخرى تخلده ممزقاّ.. صورة تدونه فقيدا وأخرى تحاول سحبه من تحت الأنقاض..!؟ يجف ماء يقظتك ويختفي زفير تقيّئك، ولا يتعب غبار الركام الخانق لروحه أجفانك المثقلة بالهزائم كي تزرف ما تبقى من دموع...
إلى أي دمعة تنتمي ؟
ثمة دمعة صدئة تنزّ من عتمة امرأة عجوز ضوء البقاء فترسم على تجاعيد وجهها خطاً مزّاً يبث رائحة الزعتر والبارود.. عجوز علكت مرارة تهجيرها من حيفا فصول ومواسم حتى تحولت إلى ضلوع من رخام وشواهد للقبور.. لكنها حين شاهدت أطفال الجنوب تمزقهم شظايا الخراب، ويرفرفون مع رياح الشمال، تفتت رخام قلبها ونزفت دمعة «قانية» وتذكرت كل الصور دفعة واحدة... حينها كانت الصور بالأسود والأبيض، أما الآن فكل الصور بالأبيض...
إلى أي دمعة تنتمي ؟
إلى دمعة تنز من مساماتك خوفا وقلقاّ وعجزاً... أم إلى دمعة تزخّ على خرائط التدويل ومشارب التأويل بين الماء والماء حين يصير الوطن نقطة ملح والدمعة بحراً من فيضان.. إلى أي دمعة تنتمي حين ينداح الطوفان.. إنها آخر الحروب، وما يحدث الآن نزف مغاير لكربلاء الطفولة.. نزف لا تستطعه غطرسة التدمير وأشباح الموت...
ولا تستحدثه مراجع الظل وأعلام الكلام.. ولا تجاريه مخيلة المريدون ولا عرابو الطاعة.. ولا تمتصه من بؤبؤ البصيرة حلقات الذكر ولا دوائر التأويل.. إنه نزف يعيد للسلاح الأبيض نقاء صبوته، ويدلف على الخرائط حبراً أسود الطالع.. إنه نزف يخلط الطل مع الظل والشذى بالندى والدم بدفء التراب... إنه «عنفوان الملائكة» الجدد لخلق نبتة اليقين..
mah7z@hotmail.com