الوقت شارف على الثالثة ليلاً، وأنت لا تهدئين في الفراش. كان يسأل وهو يعرف ما الذي يؤرقني. أية وردة وأية سوسنة وأي حلم وأي فرح، والجنوب يحترق، ولبنان كله ليس أكثر من دريئة يتدرب عليها دراكولا العصر إسرائيل. كل شيء فيّ يبكي ويرتجف. أشلاء أطفال متناثرة على أشجار الزيتون التي ارتدت حلة من اللحم الآدمي.

قلب طفل ما زال يصرخ ماما وحيداً على غصن شجرة، وعلى الغصن الآخر ثدي أم ما زال يحتفظ برائحة طفلها. الدم في كل مكان عالم غارق في الموت هنا وهناك: النخيل في العراق لم يعد لديه ما يكفي من الوقت ليبكي، تسارع غريب للموت، تكاثر للنعوش، الجثث، الأرواح ميتة.

حزين دجلة، جريح الفرات. حزين الغيم الذي يتكون من النار والبارود. وفي غزة موت آخر، عربدة أخرى، للأيدي التي امتهنت الموت. دم بريء يراق، جوع هنا وهناك، التهليل علني هذه المرة والعالم صامت صامت. إسرائيل، أميركا، رجال الظلام، أنظمة القمع، كيف تتقاسم أدوار القتل والتجويع، من الأكثر تأهيلاً للحصول على صفة القاتل الأول؟

لم يكتف الحكام العرب بالصمت، لم يكتف العالم أيضاً، التأييد صارخ لدراكولا العصر، لقضم الأطفال اليانعين من على صدور أمهاتهم، لقطف الرجال والشجر، لقطف الهواء من الأرواح. فكيف سيتوازن ليلي، كيف سيجيء النوم، أية شهية للقبلة واللمسة الحانية، أية سوسنة هذه التي فيّ تختنق، أي جسد يستطيع أن يركن إلى أية متعة وهو يستحم بهذا الجحيم. صرخات إجفال لا تسمع، جوعى بصرخات لا تسمع، شظايا هنا وهناك وفي فراشي؟

مقابر مفتوحة، رؤوس بلا هوية موت على الهوية، جنوب يحتضر، غزة تستغيث، لبنان بلا قمر ولا كهرباء، برلمانات كرتونية لا تعقد، والفيتو كالعادة يسدد لكمته القاضية إلى الحياة، نهود بلا أطفال، أطفال بلا أمهات، فجائع، أعراض تنتهك، أجساد يافعة للبيع، مزادات علنية، مزادات سرية، كل شيء مطروح للبيع، أوطان، ضمائر، ما دامت السيدة أميركا ودراكولا يشتركان في دمقرطة العالم، فهنيئاً لإسرائيل، لأميركا بهذه الانتصارات الماحقة على شعوبنا الصامتة؟

أي حوار سنقيمه بين جسدين عاشقين، والحرائق تتواثب في رأسه ورأسي الذي وضعته على صدره بانتظار أي صباح يمر بشرفتي لو صدفة، في هذا الليل الطويل الطويل.

بقلم: سعاد الرفاعي