عن الدار العربية للعلوم في بيروت، صدرت حديثا للكاتب زكريا عبد الجواد رواية (خيار الصفر). التي تخرج بوقائعها من الحلقة المحلية الضيقة، التي تدور بداخلها معظم الروايات العربية، إذ تتخذ أحداث تلك الرواية من الهند بأجوائها الساحرة منطلقا للتأكيد على ما يمكن أن تفعله المصادفة في مصائر البشر المكدودين، وما يمكن أن تقوم به الأحداث السياسية بقسوتها من توجيه لتلك الصدفة كي تتلاعب بالإنسان في نهاية الأمر.

مفارقات مدهشة، تلتقط خيوطها، رواية (خيار الصفر)، وهي تبحر في مصير الإنسان العربي، الهارب، المطارد، المقموع والمحاصر في بلاده وخارجها، عابرة بقارئها فوق بساط تمتزج فيه العجائب بالواقع، والسحر بالمتخيل، منتقلة من الشرق الأوسط بكل مآسيه إلى تخوم الهند، وأكثر مناطقها نأياً، حيث يصعد صوت الإنسان المسحوق صارخاً، رافضاً أحياناً، ومستسلماً في الغالب، لمصادفات غريبة، تتلاعب به، لتنقله في نهاية الأمر، من خانة ما هو معتاد، إلى حيث يتلقى الصدمات المباغتة

ففي أجواء مفعمة بالغرائب تدور أحداث الرواية، لتلقط عبر وقائعها ما جرى في الواقع لفتى فلسطيني انطلق للدراسة في إحدى جامعات الهند، غير ان نشاطه الطلابي السياسي الذي ألهبته الأحداث الدموية في وطنه والمنطقة، وأججته وقائع المشهد المتراجع في الشرق الأوسط، كانت نتيجته وبالا عليه،

إذ تم رفض عودته إلى وطنه، فيما كان عليه أن يغادر الهند بعد ان انتهت أسباب الإقامة فيها بالحصول على الشهادة الجامعية، الأمر الذي دفعه إلى خوض مغامرة الهروب من مكان إلى آخر، والاختفاء مابين المنازل والكهوف، إلى أن انتهى به الأمر إلى منطقة بدائية تحول فيها إلى كائن مقدس.

ومابين مغادرته أرض وطنه و التحول الأخير، تدور الوقائع المدهشة، مسلطة الضوء على وقائع الزمن العربي الذي شهد انكفاء مأساويا في كافة الميادين خلال السنوات الأخيرة، وترصد تلك الحالة من الإحباط التي عمت سكان تلك المنطقة من العالم بعد سنوات من زهو جامح، وانتظارات لتحقيق الآمال الكبرى. إنها معزوفة، باذخة الألم، لمأساة تعايشها أجيال متعاقبة، منذ أن بدأ الزمن العربي الجميل في الأفول.