على مدى 18 سنة احتلت دار الأوبرا المصرية مكانة مرموقة على صعيد الثقافة المصرية كواحدة من أهم المنشآت الثقافية المصرية، خاصة بعد تعظيم دورها الثقافي بتحويلها إلى هيئة ثقافية تعليمية باسم هيئة المركز الثقافي القومي، والتي يتبعها عدة منشآت أخرى منها مسرح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية الذي يضم أيضاً «متحف أم كلثوم» و«متحف الآلات الموسيقية» والبيت الفني للموسيقى والأوبرا..
وغيرها من المنشآت الثقافية والفنية. والمكانة الأخرى التي احتلتها دار الأوبرا وترجع إلى روعة المكان وجمال المبنى الذي احتل مكانه بقرب نهر النيل ووسط العاصمة القاهرة، فأصبحت مزاراً للمثقفين والجمهور الزائرين وأول ما يلفت النظر في هذا المكان هو الأعمال الفنية - خاصة النحتية - التي تزين مخارج ومداخل هذا الكيان المعماري الراقي. فإنه منذ بدء التخطيط لافتتاح الأوبرا ظهرت فكرة الاستعانة
أو استخدام تمثالين أصليين في الفن المصري القديم «الفرعوني» لوضعهما في الباكيتين الأماميتين على جانبي مدخل الأوبرا الرئيسي خارج المبنى في مواجهة البوابة الرئيسية وهما تمثالان متشابهان «للآلهة سخمت» لامرأة جالسة برأس لبؤة وهو من وحي الأساطير القديمة، والآلهة سخمت هي إله الشر والدمار،
وتحكي الأسطورة أن الآلهة قد غضبت من خطايا البشر فأطلقت عليهم «سخمت» التي قتلت كل ما يقابلها حتى صار الدم بحور، وكادت تُفني البشرية، حتى عفت الآلهة عنهم وصارت «سخمت» في مرحلة أخرى من التاريخ المصري رمزاً لعودة الحياة.
نهضة الفنون
وكما وضع التمثالان الفرعونيان ، وهما بلا جدال رمزاً على الحضارة المصرية وعراقتها ومدى قدم الفن المصري فقد تم وضع تمثالين في غاية الأهمية في ساحة الأوبرا هما تمثالا «الرخاء» و«نهضة الفنون» للمثال المصري «محمد حسن» - وهو من الرعيل الأول للفن المصري المعاصر،
والتمثالان كانا موضوعين في مدخل دار الأوبرا القديمة «الأوبرا الخديوية» التي احترقت عام 1971 وتم وضعهما كحلقة وصل بين الأوبرا القديمة والجديدة لتذكرنا بتاريخنا الثقافي في العصر الحديث، وقد أقام الفنان الرائد «محمد حسن» (1961-1892) هذين التمثالين عام 1948 وهما تمثالان يزيد حجم شخوصهما عن الحجم الطبيعي أحدهما يعبر عن «الرخاء» والثاني عن «نهضة الفنون».
فتمثال «نهضة الفنون» من المجموعات النحتية لأنه يضم عدة تماثيل في تكوين واحد، وهو أشبه بالفنون الرومانية ومستوحى من ربات الفنون والأساطير، استخدم الفنان رموزاً للتعبير عن الفكرة المجردة، فالمرأة تشير لدار الأوبرا وكأنها تدعو الجمهور، وعلى يمينها تجلس فتاة تمثل المسرح وهي تنظر للقناعين الضاحك والباكي رموز الكوميديا والتراجيديا - وتحت القناعين لفافة ورق تشير إلى النصوص المسرحية، والأعمال الأدبية بينما تجلس فتاة إلى اليسار ترمز للفنون التشكيلية،
وذلك من خلال رموز واضحة كالفرشاة، وبالتة الألوان والمثلث المعماري بينما ينتصب بجوارها تمثال يعبر عن فن النحت، ولعل هذه المجموعة النحتية «نهضة الفنون» قد بقيت لتكون رمزاً أصيلاً يحمل عبق الفنون القديمة وسحر الماضي.
وهذه التماثيل الأربعة هي في حقيقة الأمر تماثيل من التاريخ المصري القديم والحديث، ومن أهم مقتنيات الأوبرا بشكل عام أما بقية المقتنيات الأخرى فهي لفنانين معاصرين مصريين صنعت للتجميل ولتخليد الرواد، وللتعبير عن الموسيقي
فيما عدا تمثالين تجريديين لفنان إنجليزي كان ضيفاً علي «سمبوزيوم» أسوان الدولي للنحت ورأى الوزير الفنان فاروق حسني وضعهما في الحديقة المقابلة للمسرح المكشوف بدار الأوبرا، وثارت حولهما اعتراضات من قبل بعض النقاد والفنانين حول عدم ضرورتهما وعدم تناسبهما مع طبيعة المكان وطالبوا بدفعهما.
خصوبة الخيال
ويقول د. طارق علي حسن رئيس الأوبرا الأسبق التماثيل المصرية القديمة تحفة فنية لا مثيل لها تدلل على عبقرية الفن والحضارة المصرية وسبق الفنان المصري ورؤيته وقدرته على الاكتشاف وخصوبة خياله، فتركيبة التمثال غير المألوفة لجسد امرأة ورأس لبؤة تركيبة سيريالية سابقة لزمانها ولطالما تعلمت أوروبا من فنون مصر القديمة،
ولنا الحق أن نفتخر بها، أما تمثالا الفنان محمد حسن فهما علامة من علامات النحت المصري المعاصر من ناحية ورمز لتاريخ الأوبرا المصرية منذ الأوبرا القديمة ، لأن عمر الأوبرا في مصر يزيد على المئة عام، والتمثالان من روائع الفن المصري ولفنان رائد من الرواد المصريين الذين نعتز بهم.
الهرم الرابع
ويشير د. ناصر الأنصاري رئيس الأوبرا الأسبق إلى أنه بعد فترة من حياة الأوبرا وبالتحديد في أوائل التسعينات ظهرت فكرة ملحة وهي عمل تماثيل لرواد فن الموسيقى والفنون الأخرى لتزين مبني الأوبرا من الداخل والخارج وتخليداً لهم ، فقامت وزارة الثقافة بتكليف عدة فنانين - نحاتين - بعمل هذه التماثيل بعضها تماثيل كبيرة الحجم لوضعها في حديقة الأوبرا للعرض المكشوف،
والبعض الآخر «بورتريهات» للرواد وضعها في الأوبرا الداخلي، وممرات المسرح الكبير، ومداخله. والتمثال الثالث من هذه الفئة التي تخلد ذكرى رواد الفن والأدب والموسيقي ـ على حسب د. الأنصاري ـ يأتي تمثال أمير الشعراء أحمد شوقي الذي وضع أمام مبنى المجلس الأعلى للثقافة.
في حين تأتي المجموعة الصغيرة الداخلية فتشمل مجموعة «بورتريهات» شخصية لرواد الموسيقي والفكر والأدب ومختلف الفنون في التاريخ المصري المعاصر، ومعظمها موجودة في مداخل المسرح الكبير بالأوبرا، وهي لرواد أمثال سيد درويش ونجيب محفوظ وغيرهما، وكل هذه التماثيل نفذت بتكليفات لفنانين مصريين مشهود لهم بالإبداع، والجودة وتم صبها في إيطاليا بناءً على موافقة وزير الثقافة، وهي لرموز مصرية خالدة.
أعمال غير تقليدية
ويضيف د. الأنصاري: أما المجموعة الأخيرة من تماثيل مقتنيات الأوبرا فهي أعمال فنية مبدعة وهي من وحي الموسيقى والباليه وفنون الأوبرا، أو أعمال فنية حازت علي جوائز في مسابقات عامة، نظمتها وزارة الثقافة، مثل صالون الشباب،
أو المعرض العام لفناني مصر وغيرها من المعارض ومن الأعمال الحائزة على جائزة صالون الشباب تمثالان وضعا بكافيتريا مسرح الهناجر أحدهما لشخص من جذع شجرة شبه كامل والآخر لشخص شبه مصلوب على قاعدة معدنية،
وهو من المعدن الخردة وهما كما نلاحظ من الأعمال غير التقليدية وتخرج عن المألوف في أسلوب التنفيذ وفي الخامة المستخدمة الأول اتجه إلى استخدام خاصة من الطبيعة والآخر استخدم مخلفات الإنسان وعصر الصناعة، وكلاهما يعبر عن الإنسان والعصر.
ومن جهته، يعلق المثال الفنان عبدالعزيز صعب صاحب تمثال «موسيقار الأجيال» على تلك التماثيل التي تتزين بها الأوبرا المصرية قائلاً: تحتاج التماثيل الشخصية إلي اهتمام وتركيز كبيرين من الفنان المثال، نظراً لأنه يسعى من خلال هذا العمل إلى التعبير عن هذه الشخصية بسماتها النفسية قبل الشكلية،
لذا فعلى كل من يعكف على مثل هذه الأعمال أن يكون حريصاً على دراسة الشخصية التي يقبل على تمثيلها سواءً كان ذلك بالجلوس معه لو كان على قيد الحياة أو التعرف عليه من خلال المواد المتاحة إذا كان من الراحلين، وذلك ما يوفر ضمانة للدخول الآمن إلى حقيقة الإنسان في العمل الفني، وبالتالي يأتي التمثال معبراً صادقاً قادراً على نقل الكثير من المعاني.
القاهرة - أمين الصيرفي
خدمة {وكالة الصحافة العربية}