مرة أخرى تغرقنا «قانا» في أحزاننا التي لا تنتهي، نقف متثاقلين نحصي عدد الشهداء، ونستجمع دموع الأمهات، ونحن نرى الصور التي تبثها وكالات الأنباء والمحطات الفضائية، تخرسنا الصدمة فلا ندري هل ينفع الكلام والتنديد، وهل تكفي لغة الشجب والبيانات الأدبية والصحافية، والتراب الحزين ما زال يخفي فرح الطفولة والابتسامات العذبة التي وأدتها حماقة غاصب أثيم، قرر أن ينتقم على طريقته، ويفرح بنصره على العزل الضعفاء.

مرة أخرى ندَون في مفكرة أيامنا اسم «قانا» ونضيف إليها رقماً يسلسل نكباتنا وعدد شهدائنا وكلماتنا، فيما ورد الشهداء ينمو يوماً بعد يوم، يعطر المكان بأريج ما بعده أريج، تستوقفنا الإدانات العربية المتأخرة على الدوام، لنقف مطولاً عند البيان (العاجل) الذي صدر عن المكتب الدائم لاتحاد الأدباء والكتاب العرب الذي عقد في صنعاء، والذي أشار فيه أدباؤنا العرب الكرام، أنهم لم يعد باستطاعتهم تحمل السكوت على العدوان الجبان الموجه إلى الأبرياء، مطالبين أحرار العالم وشرفاءه الوقوف إلى جانب المدنيين والأطفال.

ولأنني أعرف كما يعرف الجميع عدم جدوى هذه البيانات أسأل: لم صمت الأدباء العرب طوال هذه المدة وماذا سيفعلون بعد أن فقدوا القدرة على السكوت..؟! هل سينثرون المعلقات على أستار خزيهم، أم سيشعلون الأرض نثراً يعيد دم الأطفال الشهداء، أو ربما سيطلقون صواريخهم النقدية وطائراتهم الفكرية على «إسرائيل» لتترك لهم الأرض ليغنموا الغنائم التي لا تعد ولا تحصى..؟!

طوال سنوات الصراع مع العدو الصهيوني، ونحن نسمع العبارات الطنانة الرنانة عن دور المثقف الريادي، وعن الطليعة الواعية المثقفة التي توعي الجمهور وتقوده إلى بر الأمان، لكننا اكتشفنا متأخرين، أن هذا الجمهور يمللك الوعي والريادة أكثر من كل (المتثاقفين)، وأنه يعرف تماماً حدود النار واليقين.

بالأمس أبكاني موقف طفل صغير لم يتجاوز العاشرة، يتبرع بكل ما يملك للمساعدة في تضميد جراح أخوته في لبنان قائلاً للعالم كله: «يجب أن أفعل ذلك الآن فسيأتي دوري غداً»، بينما أطفال الكيان الصهيوني يكتبون أسماءهم المشوهة على الصواريخ التي ستوجه إلى صدور الأطفال العرب، وامرأة تجاوزت السبعين من العمر، لا تعرف القراءة ولا الكتابة،

تتبرع (بدجاجتين وسلة بيض) هي كل ما تملكه في هذه الدنيا قائلة بخجل: «ليتني أملك مالاً لاشتريت به الدواء والغذاء وقمت بنقله بنفسي إلى جنوب لبنان، إلى الذين يتألمون ويعانون مرارة العيش نتيجة البطش الإسرائيلي الذي لا يرحم»، ليأت الأدباء العرب ببيانهم العاجل، متناسين أن «قانا» منذ تاريخها المديد هي أرض الحب والبراءة، الأرض التي مَر بها «السيد المسيح» عليه السلام حاملاً معجزاته الأولى.

يا الله كم يلزمنا من السنوات لندرك أننا حمقى لا نجيد قراءة التاريخ ولا أبجديات الحياة، فقد فتحت لنا «قانا»، و«بنت جبيل»، و«مارون الراس»، وكل مدن وقرى لبنان الصامد، مرة أخرى كل ينابيع الحب والشهادة، علنا نرتوي قليلاً في زمن مقارعة الأنذال بالبيانات العاجلة.

alomawi@albayan.ae