أعدم فديريكو غارسيا لوركا قرب «فوينتي غراندي»، الواقعة ضمن أراضي بلدية «ألفكار» في إقليم غرناطة الاسباني. حدث ذلك فجر التاسع عشر من أغسطس، كما أعدم معه معلم بلدة بوليا ناس، ديوسكورو غاليانو غونزاليس واثنان من نخاسي الثيران هما خواكين أركوياس كابيثاس وفرانسيسكو غالادي ميلغار. ولقد مضى على تلك الفاجعة 70 عاما، لكن مع أن الوقت يمر، إلا أن فديريكو لا يزال صوتا متواصلا ذا حضور دائم لا يفنى في الأدب العالمي.

لوركا وسيرفانتيس... اثنان من عمالقة الأدب تحفظ ذكراهما وأعمالهما بدلال ابنة أخ الأول لورا غارسيا لوركا، التي تدير الجمعية التي تحمل اسم الشاعر في فوينتي باكيروس . تفتح مكتبها المتواضع في سكن الطلاب، حيث لديها مأوى يذكرها بليلة مشؤومة تجعلها تصر، مرة أخرى، على عدم نبش التراب الذي يرقد تحته الشاعر. وهي تقول إنه من الأفضل أن يكون قبرا مكرسا لذكرى جميع الذين سقطوا. ففي القبر الجماعي في منطقة «فيزنا»، الذي يعتقد أن الشاعر مدفون فيه، يقدر أن هناك ثلاثة آلاف جثة لأشخاص تم إعدامهم رميا بالرصاص.

صحيح أن هناك فيلماً تسجيلياً مثيراً للجدل قد ظهر في هذه المناسبة. إلا أن الجمعية، التي تقودها لورا غارسيا لوركا لم تعد أي فعالية خاصة لهذه الذكرى، في حين يمثل اسم الشاعر، هذه الأيام هدفا للفعاليات والنشاطات المتنوعة. ففي لندن يقام مهرجان كامل يراجع أعماله طوال فصل الصيف. كما تم هذا الأسبوع الكشف عن العناوين العريضة للفيلم التسجيلي «لوركا البحر يتوقف عن الحركة»، الذي يخرجه اميليو باراشينا، ويدير فيه فرضية جديدة حول أسباب القتل.

حسب هذا الفيلم التسجيلي، القائم على تحقيقات ميغيل كاباييرو وبيلار غونغورا والذي يرعاه المتخصص في حياة وأعمال لوركا إيان جيبسون، فإن موت «شاعر في نيويورك» كان نتيجة ضغائن عائلية، إذ يبدو أن أولاد عمومته هم الذين حرضوا على قتله مستغلين الانقلاب العسكري الذي حدث في 18 يوليو.وهذه النظرية تقلب رأساً على عقب النظريات التي راحت تخلط الأوراق حتى الآن.

صحيفة «لا راثون» الاسبانية التقت لورا غارسيا لوركا بهذه المناسبة و أجرت معها الحوار التالي:

* ما هو شعورك في الذكرى السبعين لاغتيال فديريكو غارسيا لوركا ؟

ـ في إطار الجمعية، أنا منكبة كلياً على الذكرى وعلى انتهاء سريان مفعول حقوق التأليف لغارسيا لوركا، ولذلك، فإن التاريخ ربما لا يتمتع بأهمية كبيرة. ما يثير اهتمامي هو أنه مع شخصية فديريكو ثمة نوع من التكريم الدائم، حيث لا يقتصر الأمر على الإعجاب والتقدير فحسب وإنما يشمل التفاهم والتكامل والتأثير أيضا، وهذا أمر يزداد مع مرور الوقت. صحيح أنها قد تكون ظاهرة متقلبة تزيد وتنحسر، لكن لا شك بأن لشخصية وأعمال غارسيا لوركا حضورا دائما.

* ذهب فديريكو ضحية القمع ونحن نعيش في عصر يتم فيه تحريك الذاكرة التاريخية، كيف يؤثر ذلك على شخصية الشاعر؟

ـ لا يجب ولا يمكن أن تكون على الهامش. فلقد مثلت إحدى أهم شخصيات الجمهورية الثانية وإحدى أشهر ضحايا القمع. وفي الواقع، كان لا بد من الحديث عن قضايا أخرى. فمن جانب، هناك التاريخ الذي ينبغي أن يكون حاضرا في الذاكرة دائما، فضلا عن ضرورة مواصلة البحث فيه. ومن الجانب الآخر هناك الذكرى الحية لفديريكو، الحاضر بقوة والذي يجب ألا ينسى مماته.

من وجهة نظر الجمعية والعائلة، فإنه لم يقصد في أي لحظة «نبش» ذلك التاريخ بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن موضوع التراب أمر مختلف تماما، فالتاريخ والذاكرة شيء والتراب شيء آخر. وأعتقد بأنه يجب ألا يتم الخلط بين الأمرين. فوراء موقفنا الرافض نبش رفات غارسيا لوركا لا يوجد موقف آخر لا يريد تذكر التاريخ ونبشه، وإنما المقصود هو عدم نبش قبر ضخم ربما فيه آلاف الأموات، الذين يستحيل التعرف على هوياتهم.

* هل هذا يعني أن العائلة تعرف بالضبط المكان المدفون فيه جثة لوركا...

ـ لا، نحن لا نعرف الموقع بالضبط، وجل ما نعرفه هو أنه مدفون في ذلك المكان ومن المؤكد أن برفقته الكثير من الجثث. ونحن نحب أن يكون محميا وأن يتم التمكن من وضع أسماء جميع الضحايا بدون أن تكون أي ضحية فوق أي ضحية أخرى وأن يتحول المكان إلى مكان مكرس لذكرى فصل مرعب جدا من التاريخ وذكرى الكثير من الأشخاص الآخرين الذين تقاسموا ذلك المصير.

* هل اجتمعت مع أعضاء من جمعية الدفاع عن الذاكرة التاريخية، التي تشجع نبش القبور؟

ـ لم يتوجه أي منهم إلينا في أي لحظة؟

* هل تخشين من أن تستغل شخصية لوركا أثناء عملية النبش؟

ـ في أمكنة كثيرة أخرى في اسبانيا، عنت عمليات نبش القبور الجماعية الكثير للناس، لأنهم كانوا يعرفون تماما من هم وكم عددهم. لكن في مكان لا بد وأن فيه كل هذا العدد الهائل من الأموات، لا يبدو ذلك مناسبا.

* هل تعتقدين أن شخصيته استغلت سياسيا؟

ـ مما لا شك فيه أن لشخصيته بعدا سياسيا، فلقد كان من اليساريين وكان وثيق الصلة بالمشروع الجمهوري. صحيح أنه لم يكن عضوا في حزب، لكنه كان مقربا من الحزب الاشتراكي.

* بعض المؤرخين التصحيحيين يتجرؤون ويؤكدون أنه لو كان لوركا قد بقي في مدريد، لكان قد قتل أيضا، لكن هذه المرة على يد راديكاليي الحزب الجمهوري...

ـ لست أدري... لا أعتقد ذلك. في جميع الأحوال ليس لذلك معنى كبير ومن الأفضل عدم الدخول في نقاش هذا الأمر..

* عندما يقترب فجر التاسع عشر من أغسطس كل عام، تخرج نظريات جديدة حول كيفية ومكان مقتله أو المكان الذي دفن فيه...

ـ أعتقد أنه ليس هناك أي جديد في ذلك، فأحيانا تخرج أفكار غريبة، كتلك التي تؤكد أن جدي فيديركو تمكن من إخراج جثة لوركا وإرسالها إلى فوينتي باكيروس أو إلى نيرخا.

* هل قمتم بكل ما هو ممكن للتحقق من كيفية قضائه أيامه الأخيرة؟

ـ هناك أمور في انتظار معرفتها، سواء كانت تتعلق بحياته أو بأعماله.

* وماذا عن أعماله، هل هناك أمور معلقة يجب توثيقها في هذا المجال؟

ـ من نافلة القول، فهناك الكثير، إذ يحدث مع أعمال كل الكبار أنه من المستحيل أن تدفن تلك الأعمال. فطالما أن هناك قراء، فإنه سيكون هناك تفسيرات وتأويلات جديدة، لأنها أعمال معقدة مفتوحة جدا. ينقصنا الكثير من الأمور، لكن ما ينقصنا في المقام الأول هو سيرة ذاتية.

وهذه ليست فكرة مبتذلة، ذلك أن لوركا لا ينضب أبدا ونحن نعمل الآن، في إطار الجمعية، على إنقاذ لوركا الفنان والرسام، الذي يوقظ مزيدا من اهتمام الناس في كل مرة.. كما أننا نعمل في مشروع يشرف عليه هانز يولريتش اوبريست، مدير المشاريع العالمية في «سيربرتاين غاليري» في لندن، وذلك كي يقوم 25 فنانا حول العالم بأداء «بستان سان فسينتي».

* كثيرون هم الذين استخدموا «بكاء على اغناثيو سانشيز ميخياس» كمرجعية لأعمالهم وكذلك «شاعر في نيويورك»...

ـ أعتقد أن «بكاء» هي إحدى أعظم المرثيات في تاريخ الشعر. «شاعر في نيويورك» ما زالت وثيقة الصلة بالكثير من الفنانين في جميع أنحاء العالم وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، أحدث تأثيرا كبيرا في شعراء وموسيقيين وفنانين أكثر من أوروبا نفسها ولا سيما اعتبارا من جيل «البيت».

* ما الذي سيحدث الآن بالنسبة لحقوق المؤلف بعد انتهاء سريان مفعولها؟

ـ في اسبانيا أعتقد، إن لم تخني ذاكرتي، بأنها سارية المفعول حتى عام 2016، ولهذه الحقوق فترات صلاحية تختلف حسب قوانين كل بلد على حدة.

* ما هو هدف جمعية فديريكو غارسيا لوركا؟

ـ الدافع الرئيسي لإنشاء الجمعية كان البحث في أعمال لوركا والترويج لها.وأهم الأعمال التي تقوم بها الجمعية هو نشر أعماله، وعمليا سيظهر قريبا المجلد الأخير تحت عنوان «متنوعات» وأعتقد أن هذه المهمة كانت دقيقة وطويلة وعلى جانب كبير من الأهمية. ومن الواضح أنه لدينا وظائف أخرى مثل المشروع التعليمي في المراكز التعليمية والتربوية، وبالطبع، افتتاح مركز غارسيا لوركا في غرناطة.

* هل تعلمين تاريخ الافتتاح على وجه الدقة؟

ـ حسب ما هو مخطط له، فإنه سيكون في نهاية 2008، وهي عملية دقيقة ومشروع عظيم يقع إلى جانب كاتدرائية غرناطة.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن «لا راثون» ـ اسبانيا