ستة عقود تقريباً مرت على صراعنا مع العدو الصهيوني، ضحت الأمة بآلاف الشهداء من أبنائها، روت دماؤهم أرضنا المقدسة، وأنفقت مليارات الدولارات من قوتها، وأجلت مئات المشروعات من البنى التحتية التي يمكن أن تطور حياة الناس.
هذا الصراع احتل مساحة واسعة من فنوننا المختلفة، واشغل مفكرينا، وما من أديب أو شاعر أو صحافي إلا وكتب عن هذه القضية. هذا قدرنا في هذا الصراع الذي لن ينتهي.
إرثنا الذي ورثناه من أجيالنا السابقة، ونورثه لأولادنا، وسيورثونه لأولادهم .. صراع لن ينتهي حتى ولو خطط الإستراتيجيون العسكريون، ورسموا خططهم في احتلال الأرض وتحطيم البنى التحتية لهذا البلد، أو تهميش آخر. أو ذبح الملايين من العرب.
هذا قدرنا.. لم يترك شاعر عربي هذا الموضوع إلا وكتب فيه عشرات بل مئات القصائد، جف الحبر، ولم تجف الدماء. توقفت كل القوافل إلا قوافل الشهداء..
من ستين عاماً والشعراء يكتبون..
يا ولدي
هذه الحروف الثائرة
تأتي إليك من السويس
تأتي إليك من السويس الصابرة
أني أراها يا أبي، من خندقي، سفن اللصوص
محشودة عند المضيق
هذا ما كتبه نزار قباني ضمن عشرات القصائد التي كتبها، لكن أبو سلمى «عبدالكريم الكرمي» هو الآخر يقول:
فلسطين الحبيبة كيف أحيا
بعيداً عن سهولك والهضاب
تناديني السفوح مخضبات
وفي الآفاق آثار الخضاب
إلى أن ينتهي بقصيدته
أجل ستعود آلاف الضحايا
ضحايا الظلم تفتح كل باب
وكثير من الشعراء حذروا هذه الأمة المنكوبة بالآتي الذي لا يرحم، صلاح عبدالصبور يصرخ في الأمة بعد اجتياح إسرائيل لبنان:
لا .. لا .. لا أملك إلا أن أتكلم
يا أهل مدينتنا
انفجروا أو موتوا
رعب أكبر من هذا سوف يجيء
لن ينجيكم أن تعتصموا منه بأعلى جبل الصمت
ولم يسمعه أحد، وصمتنا واستمر العدو يحصدنا موتاً، مما دفع أحمد مطر وهو يصرخ في لبنان أيضاً:
لا تهاجر
كل من حولك غادر
لا تدع نفسك تدري بنواياك الدفينة
وعلى نفسك من نفسك حاذر
هذه الصحراء ما عادت أمينة
هذه الصحراء في صحرائها الكبرى سجينة
حولها ألف سفينة
سميح القاسم يغتسل بدمه بعد أن شح ماء الحصار:
سأغتسل الآن، ماء الحصار شحيح (دمي يا دمي يا غسولي الأخير)
تفجر، تفطر، تحجر، تبلور، تمرد، تجدد، تجمد
تصعد، تمدد، تألم، تعلم، تقدم
دمي يا دمي، يا غسولي الأخير
دمي يا دمي يا صاحبي الأخير
سأغتسل الآن، لا بد من مطر
سيقوم الكسيح ويشفي المريض
ويعشب قبري الطويل العريض
كل الشعراء كتبوا وما زالوا يكتبون، وسيكتبون..
قد يجف الحبر .. تموت الأشجار، وتتوقف الحياة، لكن دم الشهداء لن يجف.. ولن يجف معها مداد القصيد.
سميتك الجنوب
سميتك المياه والسنابل
وشتلة التبغ التي تقاتل
ونجمة الغروب
سميتك الفجر الذي ينتظر الولادة
والجسد المشتاق للشهادة
يا آخر المدافعين عن ثرى طروادة
سميتك الثورة، والدهشة، والتعبير
سميتك النقي، والتقي، والعزيز، والقدير
سميتك الكبير.. أيها الكبير
سميتك الجنوب .. «نزار»
abdulelah_q@hotmail.com