بعد غياب دام أكثر من ربع قرن من الزمن، عاد الفنان التشكيلي الحروفي السوري المعروف منير الشعراني إلى الوطن، حاملاً معه جملة من النشاطات الفنيّة، منها معرض فردي لأعماله شهدته صالة أتاسي للفنون التشكيلية بدمشق خلال شهر مايو الماضي، وكتاب أنيق الطباعة والتجليد والإخراج، يحمل اسمه، نُفذ وطُبع في القاهرة، حيث يقيم ويعمل حالياً.

يقع الكتاب في 104 صفحات ملونة من القطع الكبير، وفيه 86 لوحة حروفيّة من أعماله المنفذة ما بين عامي 1983 ـ 2003 والموزعة في العديد من دول العالم. تصدرت الكتاب عبارة (في الشام مرآة روحي) تدليلاً وإشارة إلى الحب الكبير الذي يكنه للشام وخطاط الشام الكبير بدوي الديراني الذي تتلمذ على يديه وهو في العاشرة من عمره، ثم تابع دراسة الفن أكاديمياً في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق وتخرج فيها عام 1977. للشعراني حضور لافت ومميز على الساحتين العربيّة والدوليّة، له تجربة متفردة في الاتجاه الحروفي العربي قائمة على الأصول العريقة للخط العربي التي لم يفرط بها أبداً، بل أسس عليها، وأضاف إليها، خارجاً بتجربة فنية مهمة، لا تدل إلا عليه.

قدم للكتاب الأديب الإماراتي محمد المر مؤكداً أن (عظمة المساهمة الفنيّة للفنان منير الشعراني جاءت بعد معاناة إنسانية كبرى، للتغلب على كل العقبات والصعوبات والمطبات التي اعترضت مسيرته الإنسانية والفنية، وتعكس أعماله الإبداعية المميزة، روحاً إنسانية مكافحة، وأصالة فنية نادرة، وكلما تأملنا جمالياتها المتعددة والمركبة والمتباينة، تذكرنا قول الشاعر كيتس: الشيء الجميل غبطة أزلية، فتنة تزداد ولن تتلاشى أبداً).

وتحت عنوان (عكس التيار ... الذهاب إلى المنبع) قدم الفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي زميل الشعراني في كلية الفنون، والمتابع الدؤوب لتجاربه، قدم دراسة معمقة وموسعة، حول تجربة الفنان الشعراني. مؤكداً أنه (دقيق، صارمٌ، ممتعٌ، ومتقشف، هذا هو عكل منير الشعراني. لا تستطيع النظرة الأولى أن تكشف كنهه، لكن المزيد من الفرجة، تبدأ العين بتبيّن متانة عمله، ومهارته في إخفاء ألاعيبه الغرافيكيّة.

في كل الفنون ليس سهلاً البناء على ما تم، السهل هو اجترار إنجازات السابقين. في الخط العربي الأمر أكثر صعوبة، ليس فقط بسبب علو هامة الإنجازات القديمة، وليس بتأثير ركود البنية الإقطاعيّة وثقل تقاليدها الأخلاقية والثقافية وحسب، بل ولعلاقة الخط العربي بالنص المقدس.ويرى الفنان عبدلكي أن ما يعطي أعمال الشعراني قوتها الكبيرة، هو ابتعادها عن المعاني التقليدية من النصوص المتوارثة، وقبل ذلك متانتها الغرافيكيّة.

ففي أعماله لا نجد التصميمات التقليدية للخط، بل تكوينات جديدة، متراكبة، متناغمة، متعاكسة، تحاور فيها الكتل الصغيرة الكتل الكبيرة، والامتشاقات العمودية، السيلانات الأفقية، والأقواس المتلاففة، المتوازيات الهندسية. وحصر التصميم في دائرة أو مربع أو معين، ثم كسر ذلك الربط بين الكتلة ومحيطها الواسع. كل ذلك يعطينا متعة جديدة، ويطرح أسئلة بصرية قلما رأيناها في أعمال التقليديين.

ويشير عبدلكي إلى أن الشعراني لم يعمل على المبنى فقط، بل عمل على المعنى أيضاً، فحاول أن يشتغل على معان جديدة، تتصل بحياتنا المعاصرة بأوثق الصلات، عبارات تؤكد على قيم العمل، وحرية التبصر، والنقد، والتسامح. والشعراني يستند على الخطوط العربية التقليديّة، فلم يعمد إلى الشطح السهل الذي رأيناه لدى بعض الخطاطين من متسرعي التجديد.

وهكذا يقدم لنا هذا الفنان، وجبة بصرية دسمة، بقدر ما تركز على ذاكرتنا البصريّة، بقدر ما تغرف من هواجسه التجديديّة، فالشعراني ـ كما يرى عبدلكي ـ لم يتوقف عن التجديد، وراح بحسه النقدي ـ الجمالي، يُعيد النظر في الكثير من تفصيلات الخطوط العربيّة التقليدية، خاصة ما كان منها مركوناً على رف النسيان أو الإهمال، بل إن خطوطاً مثل: الكوفي النيسابوري والمغربي، نكاد أن نراهما للمرة الأولى، لكثرة الإضافات، وشدة ضبط التفصيلات. هنا يضع الشعراني نفسه، ليس في مكان المدقق، بل في جهة المصمم.

د. محمود شاهين