بلغة لا تخلو من الغضب الممزوج بالحزن، يحاول الفنان العربي «دريد لحام» وضع يديه على الجرح العربي النازف من لبنان، مؤكداً أن الشرعية الدولية كذبة كبرى تستحق السخرية في الوقت الذي أعلن فيه اعتزازه بالمقاومة الوطنية الشريفة التي أصر على أنها كذلك، مفضلاً ترك منصبه كسفير للطفولة لدى اليونيسيف، معلناً على الدوام أن ما يقوم به الشعب العراقي والفلسطيني واللبناني، ما هو إلا ممارسة حق الدفاع عن الأرض والإنسان، قائلاً بنبرة حادة: «لا تجعلونا نندم على أن خلقنا في هذه الأرض».
* بداية كيف تصف ما يجري في لبنان؟
ـ الجميع بات يدرك أنها خطة مبيتة سواء أسر جنديين أم لا، في الوقت الذي لم تخف فيه الإدارة الأميركية رغبتها في الحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط من جديد، وأعلنت «رايس» في زيارتها لبيروت أن لا وقف لإطلاق النار، وهذه الجملة كانت يجب أن يقولها الإسرائيليون لأنهم المعنيون بالأمر، لا أن تتحدث بالنيابة عنهم، فالتالي من الواضح أن هذه الحرب أميركية بذراع إسرائيلية، وغبي من يصدق أن سببها أسر جنديين إسرائيليين، وإلا لم كل هذا الدمار وكل هذا القتل وهم يبحثون عن جنديين فقط، وكل ما فعله «حزب الله» أنه لم يعلن الحرب، بل قام بعملية الأسر في أرض لبنانية محتلة
وهذا بالعرف العسكري يستدعي تبادلات لاحقة ولا تستدعي هذه الحرب التي راح ضحيتها مئات الشهداء في لبنان، وعشرات القتلى من إسرائيل، لذلك أعود وأقول ان الحرب مبيتة من زمن، وتهدف إلى منع وجود أي قوة دفاع حول إسرائيل وليس قوة هجوم أو ردع، أي أنه ممنوع عليك كعربي أن تدافع عن وطنك، في الوقت الذي تصول فيه «إسرائيل» وتجول في هذه المنطقة وتعيد تشكيل الشرق الأوسط، محاولة الانتهاء من آخر القوى المدافعة أو الرادعة وأقصد «حزب الله».
* وبماذا تفسر التباين بين المواقف الرسمية العربية والمواقف الشعبية؟
ـ بالتأكيد الحكام أعلم ببواطن الأمور، ونحن كشارع عربي تأخذنا العاطفة التي يجب أن تكون حاضرة بقوة، لكن كما قلت الحكام العرب يدركون جيداً ما هو الضغط الأميركي وما هي الإملاءات الأميركية، خاصة وأن الإدارة الأميركية لم تعد تقول ما رأيكم أن تقوموا، بل يصدرون الأوامر فقط التي يجب أن تنفذ.
* وهل يجب على المثقف اوالفنان أن يكون مع الحاكم أم مع الشعب؟
ـ بالتأكيد لا يستطيع إلا أن يكون مع الحقيقة.. وإلا يفقد قيمته كفنان ومثقف، من دون أن ننسى الهدوء والتروي، بعد أن وضح أن لا أحد يقف إلى جانبك إلا إرادتك، بعد أن اتضح أن الشرعية الدولية كذبة كبرى، مباعة لإسرائيل، فعندما يكون هناك آلاف الأسرى العرب في السجون الإسرائيلية، والطائرات الإسرائيلية تستبيح الأراضي اللبنانية تسكت هذه «الشرعية»، أما أسر «جنديين» يحرك كل القوى المباعة.. ويبدو أن الولايات المتحدة نفسها أصبحت «عبدا» من جملة «عبيد» الكيان الصهيوني.
مع أنه يخيل لي أن الأمم المتحدة كان يجب عليها أن تعلن الحرب على «إسرائيل» التي أعلنت الحرب بدورها على الأمم المتحدة عندما قصفت أربعة ضباط وضربت «قانا» للمرة الثانية، كما أنه من العبث التمسك بالشرعية الدولية التي أصدرت قرارات عمرها عشرات السنين لم تنفذ أي قرار منها، على عكس القرارات التي تهم «إسرائيل»، والتي تسعى لتنفيذها اليوم قبل غد، لذلك أرى من الخطأ التمسك بذيول الشرعية الدولية.
ولا أبالغ إذا قلت ان هذه المعركة هي آخر الحروب العربية، اما بعدها إما ترفع الأمة العربية رأسها وتعيش بكرامة، أو نقرأ عليها السلام، لأنها لن تحظى في كتب التاريخ بأكثر من سطر يقول: «كان هناك أمة تسمى العرب»..؟! وحتى لا نصل إلى هذه المرحلة يلزمنا وقفة جادة مع المقاومة، معنوياً ومادياً وحتى عسكرياً إذا أمكن.
ويتابع الفنان العربي حديثه بالنبرة لا تخلو من الغضب:
ـ أي أمة هذه ترى لبنان «درة المتوسط» يذبح قسمه المقاوم..؟! لو أمة أخرى لتداعت من مشرقها إلى مغربها للنجدة والنصرة، وباعتبار أن هذه الأمور لم تحصل بعد، فيهيأ لي أن هذه الأمة تسعى نحو إلغاء وجودها، في الوقت الذي ما زال فيه لبنان صامد مع وجود «حفنة» من الصامدين الأبطال، صمدوا أكثر مما صمدت الشعوب العربية مجتمعة..؟!
* وقد توقع الناس منك موقفاً أكثر حماسة؟
ـ صدقني لا أحد يقصر في هذا المجال.. وبالنسبة لي في كل اللقاءات التلفزيونية والحوارات الصحافية أطرح هذه الأفكار، حتى انني أمس ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما قلت لا تجعلونا نندم أننا خلقنا هنا في هذا الوطن..
قل لي ماذا يمكن للفنان اوالمثقف أن يفعل وسلاحه الكلمة ليثير عواطف الناس باتجاه الحق، ومن المؤسف عندما يطلع مسؤول عربي ويقول هذه المقاومة أساءت للعمل العربي المشترك، أسأل عن العمل العربي المشترك، الذي لا يعدو كونه مجرد شعارات يرددها البعض.. والآن ألا يفترض ذبح بلد مثل لبنان، ألا يستدعي قمة عربية عاجلة، ومع ذلك لم تعقد هذه القمة خوفاً من الانقسام الصف العربي..؟! أليس مضحكاً هذا الكلام، ومتى كان هذا الصف واحداً حتى نخاف عليه اليوم كل هذا الخوف والتخاذل.
حوار: أنس الأموي
