بعيداً عن الشعارات والكلمات الكبيرة.. يفتح د.حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب في سوريا نار الأسئلة المحرجة، بعد تضامن وفدي اتحاد الكتاب (سوريا) واتحاد كتاب (تركيا) مع الأدباء اللبنانيين، في زيارة خاصة للحدود السورية اللبنانية، هناك حيث تعجز الكلمات عن الوصف ويقف الضمير العربي والعالمي عاجزاً عن مجابهة آلة الصلف العدوانية، لينطبق المثل العربي التليد: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»..؟!

* بعد لقاء وفدي اتحاد كتاب سوريا وتركيا مع الأدباء والأهالي اللبنانيين، كيف تصف هذا اللقاء على الصعيد الإنساني قبل الحديث عن الجوانب الأدبية والمعنوية الأخرى؟

ـ أستطيع القول إن الإنسان الصحيح في مشاعره، عندما ينظر إلى ما يراه من النتائج المذهلة للعدوان الوحشي الهمجي الصهيوني، يمكن أن يقول بكل صراحة، لقد نزعت الإنسانية والرحمة من قلوب أولئك البشر إن كانوا بشراً، وقد وجدنا جرحى وأناسا قد طار الفزع بهم حتى رأيناهم أشباه بشر، لكثرة الخوف المزروع في داخلهم من آلة الدمار الوحشية، التي تسلح الإدارة الأميركية هذا الكيان الذي خلا من كل ضمير.

وهنا لا أنكر أننا أحسسنا بالألم والحرقة للعجز العربي الذي وقف متفرجاً دون أن يستطيع نصرة هؤلاء الناس المقهورين المهجرين المقتلعين من أرضهم، من دون أن ننسى اليد الرحيمة الكريمة لأبناء الشعب العربي السوري، التي امتدت لتقديم يد المساعدة، فوضعت الخيام وجهزت الأماكن لاستقبال هؤلاء المهجرين،

كما قدمت لهم المساعدات من طعام وغذاء وأدوية، وهذا كله لا يبرئ الجرح الحقيقي الذي أصاب هذه الأمة، حين نحس بأن الكرامة تداس والإنسان العربي يقتلع من أرضه، ولا نستطيع أن نفعل شيئاً.

* وأين هذا الدور المثقف العربي الريادي في مثل هذه الظروف، وقد كنا نسمع عن هذا الدور منذ عقود عديدة؟

ـ لنعترف أننا كأدباء لا نستطيع أن نقبض السلاح ونحارب بالبندقية، فهناك شباب أعدوا أنفسهم لهذه المعركة والمواجهة الحتمية، وأقول الحتمية، لأن العدو الصهيوني خطط سلفاً لهذا العدوان، ونحن لا نملك كما قلت لك إلا الكلمة وتسليط الضوء على هذه الجرائم وفضحها وفضح مرتكبيها،

ومحاولة إلقاء الضوء عليها، لذلك ينبغي علينا أن نكون طليعة واعية، تستل القلم لتحليل كل موقف من هذه المواقف لكشف هذه المشاريع التي تريد من المنطقة العربية أن تكون تابعة لمشروع الهيمنة الأميركية الصهيونية.

صحيح أن هذه النتائج آذتنا إنسانياً، لكنها بالمحصلة نتيجة لفعل إجرامي خطط بشكل مدروس في «واشنطن» و«تل أبيب»، عندما لم يستطع الكيان الصهيوني ولا الإدارة الأميركية أن تحصل من خلال الحوار الوطني بين الفصائل الفلسطينية على ما تريده من إنهاء المقاومة الوطنية الفلسطينية،

لا سيما حينما أخذت منظمة «حماس» الشرعية القانونية وانتخبت من قبل الشعب الفلسطيني، فكان الاقتصاص من هذا الشعب لاختياره نهج المقاومة، كذلك الأمر نفسه في لبنان، عندما لم يجد مؤتمر الحوار بداً من تبني خيار المقاومة الوطنية اللبنانية لصد أي عدوان.

* بعد هذه الزيارة التضامنية، أليس هناك نية لتوحيد جهود اتحادات الكتاب العربية لدعم الشعب اللبناني ولو بالكلمة كما أشرت؟

ـ نفكر جدياً بدعوة الاتحادات العربية إلى سوريا، وقد عقد منذ أيام قليلة اجتماع المكتب الدائم لاتحادات الكتاب العرب في اليمن، لكننا نتمنى أن تقوم هذه الاتحادات بفعل طبيعي تضامني مع الشعب اللبناني والفلسطيني، كما فعل الوفد التركي، هذا الشعب الذي قام من خلال مثقفيه، وجامعييه، وصحافييه، بالتعبير عن تضامنه الحقيقي،

وكان موقف الحكومة التركية أفضل بكثير من مواقف بعض الحكومات العربية، وإن كنت أتمنى على النظام العربي الرسمي الذي وصفته في مقالة سابقة أنه قد مات موتاً سريرياً..؟! أن يعود من حالة الموت هذه، ليدرك أنه سيطبق عليه مثل «ابن المقفع»: (أكلت يوم أكل الثور الأبيض).

* وبماذا تفسر موقف بعض المثقفين الإسرائيليين الذين نددوا بما تقوم به آلة الحرب الصهيونية؟

ـ هذا سؤال جميل.. فنحن لم نكن في يوم من الأيام ضد اليهود، أبناء الديانة السماوية المعترف بها لدينا، وهم قبل أن يكونوا يهوداً ينتمون إلى جنس الإنسان، ويشعرون بكل المشاعر الإنسانية النبيلة، لذلك نقدر مواقف هؤلاء الذين وقفوا ضد الصهيونية الإمبريالية،

وضد مواقف الهيمنة واجتثاث الأرض والإنسان، والتدمير المنهجي للبنان عبر تقطيع أواصر الاتصال بين أهله، ونتمنى على هؤلاء الأدباء أن يتمثلوا الإنسان الكامل المطلق، وأن يكونوا على مقدار المسؤولية التاريخية ويقفوا وجهاً لوجه أمام الصهيونية، وأمام العدوان الوحشي الذي ترتكبه إدارة الكيان الصهيوني.

* لو انتقلنا للحديث عن هموم إدارة اتحاد الكتاب في سوريا، بعد سنة من تسلمك المهام خلفاً للدكتور علي عقلة عرسان، هل أنت متفائل بحجم ما حققته مقارنة بما كنت تنوي القيام به؟

ـ هذه المؤسسة تدين بالفضل الكبير لمؤسسيها، فمن خلال (14 فرعاً)، بما فيها سبع جمعيات موزعة على كافة الأجناس الأدبية والفكرية، وسبع مجلات أدبية فكرية متنوعة، إلى جانب الكادر الوظيفي.. تحتاج دائماً إلى تطوير وارتقاء، من دون أن نغفل عن بعض الأخطاء في التطبيق.

فعلى سبيل المثال، طبقت للمرة الأولى فكرة الديمقراطية في انتخاب هيئات المكاتب الفرعية، دون أي اعتبار للتيارات الفكرية المتباينة، فلا غضاضة أن يتولى هيئة المكتب أي كاتب هدفه الالتزام بمبادئ الاتحاد الأساسية وخدمة الزملاء الأعضاء، لا سيما أن الاتحاد يقوم بخدمة ثقافية فكرية وكل من يوجد في الاتحاد ينبغي أن يكون على هذه الدرجة من الوعي والهم الثقافي.

الأمر الثاني أننا طورنا نظام التقاعد الخاص بالأدباء، وأصدرنا نظاماً أقره مجلس الاتحاد، أصبح نظاماً حقيقياً متكاملاً، كما أقمنا معارض لكتب الاتحاد في كل الفروع والمراكز الثقافية، ومازالت بعض هذه المعارض مستمرة كتظاهرة ثقافية بدأت من أول أبريل الماضي،

وكانت من حصيلة هذه المعارض تقديم تسعيرة جديدة للكتاب أدت إلى تخفيضات من أجل أن يصبح الكتاب أداة للثقافة والقراءة، فخفض الثمن إلى النصف، وأصبح سعر الكتاب (إصدار عام 2000 وما قبل)، ما يعادل دولارا واحدا، وإن كان سعره الأصلي أقل من دولار فيباع بنصف دولار،

وقد استطعنا أن نبيع بحدود (مليوني ليرة سورية) خلال شهر ونصف، إلى جانب احتفالية أقيمت تحت رعاية نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية، واكبت معارض الكتاب أسميناها «يوم الكتاب العربي»، ستتزامن كل عام مع يوم الكتاب العالمي في 23 أبريل.

* وماذا عن الندوات والجوائز الجديدة؟

ـ أشير هنا إلى الندوة النقدية التي دعي إليها د.صلاح فضل، وزياد الزعبي، ووجيه فانوس، وآخرون، وندوة الحوار الإسلامي المسيحي، وأخرى حول الأدب الذكوري والأنثوي، وندوة مركبة حول الترجمة، وندوة أدب الأطفال، إلى جانب مهرجانين للشعر ومعرض تشكيلي، وحفل موسيقي كان ختام احتفالية يوم الكتاب العربي.

أما بالنسبة للجوائز الجديدة إلى جانب الجائزة التشجيعية والجائزة التقديرية، فقد أفلحنا في تقديم جائزة «نعيم اليافي للنقد والأدب»، والتي تمول من قبل أصحابها برعاية اتحاد الكتاب العرب، وتصل قيمة الجائزة الأولى فيها إلى (1500 دولار)، والثانية (1000 دولار)، والثالثة (500 دولار)،

هذا بالإضافة إلى نية الإتحاد إنقاص عدد الكتب المطبوعة والعناية بالنوعية، وأعترف هنا أننا وقعنا في مصادمة حقيقية مع عدد من الكتاب الذين كانوا يرون أنه لا بد للاتحاد أن يطبع لهم مهما كانت قيمة المادة فنياً، إلى جانب تبني طباعة عدد كبير من الكتب،

وكان د.علي عقلة عرسان الرئيس السابق للاتحاد، قد فتح مشكوراً باب التنضيد التجاري، مما أتاح لنا التعاقد مع المجلس الأعلى للآداب والفنون لطباعة (23 كتاباً) دفعة واحدة.

حوار: أنس الأموي