الكاتبة فضيلة الفاروق التي دأبت في كل أعمالها السابقة على الكاتبة عن وجع المرأة ومشكلاتها في المجتمع العربي لا تتوانى في هذه الرواية عن التطرق لأكثر الموضوعات حساسية وجرأة، ففي روايتها الأولى مزاج مراهقة كتبت الفاروق عن علاقة الفتاة بأبيها انها العلاقة الذكورية الأولى في حياة البنت، والتي تبنى عليها سائر علاقاتها بالرجل عموماً،

أما في تاء النحجل، فقد تحدثت عن مأساة الاغتصاب التي تعرضت لها النساء في الجزائر على يد الإرهابيين، هنا في اكتشاف الشهوة، يقف القارئ على موضوع أكثر عمقاً وحساسية من حيث النوع وطبيعة المعالجة.

في لقائنا مع «الفاروق» المقيمة في بيروت تحدثت عن تجربتها الأدبية ككل وعن علاقتها بالكتابة وبالقارئ إلى نص الحوار:

* «اكتشاف الشهوة» كانت مفاجأة للقارئ فيها الكثير من الزخم والصدق وجرأة التعبير كيف جاء هذا العذاب.. وأيضاً لم اخترت هذا الموضوع؟

ـ العنوان مفتاح أي عمل أدبي، اخترت اكتشاف الشهوة عنواناً لروايتي، لأنها كذلك اكتشاف للشهوة والجسد ولأنها تتحدث بعمق عن الحياة الحميمة للمرأة، ربما لم يتقبله الكثيرون، لأنه جنسي الإيحاء، ولكن في النهاية نحن ثمار الجنس والجنس، نتعاطاه كما نتعاطى الطعام والماء إذن ما المشكلة ؟

صحيح البعض ينقاد خلف عنوان مثير ليقرأ عملاً أدبياً، ولكن كثيرا ما يقع القارئ ضحية اختياره هذا روايات رشيد بوجدرة مثلاً كلها جنسية إلى درجة لا تتصورها، ولكن عناوينه أبعد ما تكون عن الجنس، رواية محمد شكري الشهيرة الخبز الحافي جنسية لدرجة الابتذال

ومع هذا عنوانها يحيلنا نحو الفقر بعد صدور اكتشاف الشهوة، نفذت الطبعة الأولى ونفذت معها رواياتي السابقة، أظن أن الموضوع جديد في الطرق ليس كحديث عن الجنس بجرأة بقدر ما هو طرح لقضية المرأة من خلال حياتها الجنسية، وكيف يعاملها الرجل وكيف تظل بالنسبة له وعاء جنسياً حتى حين يكون مثقفاً، مجموعتي القصصية الأولى اسمها لحظة لاختلاس الحب،

وأظن أنه عنوان جذاب، ولكن المجموعة لم تجد أي صدى ولا يزال عدد كبير منها في مستودعات دار الفارابي منذ سنة صدورها 1997، وباختصار سأقول لك وللقراء جميعاً إنى أحترم قارئي ولا أقدم له نصاً مفخخاً وما يهمنى بالدرجة الأولى هو الحديث عن قضايا جادة تخص المرأة أولاً ثم الفرد.

جميلات وغبيات

* لكن هل توافقين معي أن كتابة المرأة عن الجنس تتعرض دائماً للنقد والهجوم، على عكس كتابة الرجل في الموضوع نفسه؟

ـ للحقيقة الرجل عموماً حين يكتب عن الجنس فهو يفعل ذلك كما يمارسه، هو الطرف الذي يرى ويستمتع أما الطرف الآخر، فإننا نراه كجسد لا كعاطفة ومشاعر، يحبون نساء جميلات وغبيات، جميلات ليستمتعوا وغبيات ليجدوا حججا لخيانتهن، وفى الحقيقة كل أدب المرأة بوحاً خاصاً،

وفى كل الحالات هناك من يرفض الكتابة عن الجنس بالمطلق ويعتبرها كتابة فاسقة، أو كما يسميها البعض الأدب السافر، تذكري ما حدث حول رواية حيدر حيدر، وليمة لأعشاب البحر من طرف موجة من الناس الأميين، الذين لم يلمسوا حتى الرواية وطالبوا بمصادرتها المشكلة عندنا أننا نملك قائمة ممنوعات كبيرة في حياتنا أغلب محتوياتها هى الجنس، ونحن بذلك نبدو كائنات سخيفة تتحرك غرائزنا لمجرد رؤية شعر امرأة أو لمس يدها للمصافحة.

يجب أن تتجاوز هذه السخافات ونبين للعالم أجمع أن ديننا دين عقل أولا ودين يتجانس مع العلم ولا يناقضه وهو الدين الأول، الذي احترم المرأة وتحدث عن الجنس بعمق، هناك أحاديث للرسول عليه الصلاة والسلام تبين آداب النكاح.

أظن أننا شعوب تمشي عكس مسار العالم فنحن قطعنا شوطاً كبيراً نحو الجاهلية وبعد سنوات سنبلغ العهد الحجري ونجر النساء من شعورهن ونربطهن في الكهوف.. فهل ستربح تلك الفئة المتطرفة من شعوبنا، إنها مجرد مزح ولكنها تتناسب مع أفكار الكثيرين عندنا! مدينة الغموض.

* بوصفك كاتبة وصحافية أيضاً، بالإضافة إلى رواياتك طبعا من وجهة نظرك ما هي أهم القضايا التي كتبت عنها خلال عملك في الصحافة؟

ـ ناقشت عدة قضايا تهم المجتمع الجزائري وأثارت وقتها جدلاً واسعاً، مثل سلسلة تحقيقات قمت بها في محاولة كشف النقاب عن مدينة القسطنطينية الجزائرية، التي تعتبر مدينة الغموض في الجزائر،

فهي محاطة بسياج من الخطر لمن يدخلها خاصة وإن كانت آنسة أو سيدة، فالمدينة تعج ببيوت الدعارة والخمارات وتقام فيها أعراس الشواذ جنسياً على الملأ وقد أثارت تحقيقاتي في هذا الوقت ثورة صدمت المجتمع، مما أثار حولي الشائعات حتى أنهم اتهموني بالشذوذ تارة وبالجاسوسية تارة أخرى وناهيك عن التهديدات بالقتل، التي لا تعد ولا تحصى.

* ألم يؤثر كل هذا عليك بالسلب أو الخوف أو التراجع ؟

ـ بالعكس فرغم كل ما حدث أحسست أنني أمشي على الدرب الصحيح، وشجعني على ذلك حصولي على زاوية خاصة بالكتابة في جريدة الحياة، وهذا لم يكن متاحاً لأحد في مثل سني فقد كنت صغيرة جداً على أن يكون لي عامود أو زاوية، مما عرضني للنقد أكثر بكثير من النقد، الذي تعرضت له عندما كنت أعمل بالتحقيقات.

* بمناسبة حديثك هذا يحضرني أن أسألك عن محنة الإرهاب التي مرت بها الجزائر كيف واجهتيها؟ وكيف أثرت بك هذه التجربة؟

ـ عملت بالإذاعة فترة من الوقت وكان لي برنامج خاص بى أعرض فيه بعض خواطري، وكان اسمه خواطر الإبداع توقف من أجل هذه التهديدات، التي تلقيتها فقد كنت أثير به بالعديد من القضايا الشائكة حتى أشكو أن يكون لي اتجاهات سياسية معينة، فأوقفوا بث البرنامج.

لا أخفي عليك فقد خفت كثيراً خصوصاً بعد توجيه خطابات التهديد لي فكنت أرتعد من سماع صوت أقدام قطة على السلم، لكنى حولت هذا الخوف لخوف إيجابي، فالعمر واحد والرب واحد وإيماني جعلني أتخطى هذه المحنة التي مرت بها بلادي،

ولست وحدي مما جعلني أهاجم الكثير وازداد شراسة في كتاباتي حتى كنت لا أنام الليل، فأنا صحافية وأبى أيضاً صحافي، وكان يتلقى تهديدات مثلى فكان ينام هو نصف الليل وأبقى أنا مستيقظة لأحرسه والعكس بعدها يحدث أن أنام وهو يبقى ليحرسني.

* إذن أمام كل هذه العقبات كيف كانت بداياتك كيف تمكنت من شق طريقك في عالم الكلمات؟

ـ في بداياتي كنت أعرف أن أرائي الجريئة لن يتقبلها أحد فكتبت باسم مستعار وبقيت لسنوات لا أحد يعرف أنى أكتب، ولكن سرعان ما تميزت في الجامعة في النادي الأدبي بالجامعة وعرفني بعض أصدقاء وزملاء والدي في الجريدة التي يعمل فيها، والذين كانوا أساتذة جامعيين وإعلاميين فأخبروه

وهنا كانت المفاجأة، وبداية الصراع معه، كان يجب أن يقرأ ما أكتب قبل أن ينشر، لعب دور الرقيب علي لفترة ولكنى كنت عنيدة جداً وتحديته تماما كما تحدى هو العائلة كلها وعاش على طريقته ورغبته، لقد مررت بمشاكل كثيرة،

وحتى أنى رغبت في ترك المدرسة بعد فشلي في نيل شهادة البكالوريا أول مرة ولكنه أرغمني على إعادة السنة والنجاح وتحدى كل رجال العائلة وقتها من أجل أن أتمم دراستي، وحين فشلت في كلية الطب أيضاً قررت أن أبقى في البيت، ولكنه أصر أن أعود للجامعة تحدى الجميع وقتها وسد أذنيه لا يسمع التعليقات السخيفة، التي لاحقتني من طرف رجال العائلة،

فعدت للجامعة وتوسط لي لأكتب في نفس الجريدة التي كان يعمل فيها وأنا بعد طالبة، كان سندا لي وكان الرقيب الأخطر في حياتي ولا يزال وكثيراً ما دخلت معه في صدامات فيخاصمني أو أخاصمه ولكنى أكن له الكثير من الامتنان، لأنه لولا إصراره على أن أواصل دراستي لكنت الآن ربة بيت غبية أطبخ وأكنس وأغسل وأكوي وأغفو مساء،

وأنا أشاهد فيلما عربياً لا معنى له، أظن أن دكتاتورية والدي، والدي البيولوجي ووالدي بالتبني، كان لها وقعاً إيجابياً على نفسي لهذا أحبهما جداً.. بل أكثر من ذلك أشعر بسعادة غير طبيعية لأني انتصرت بفضلهما وعليها، كلاهما وجهاني نحو الكتب وتحقيق الذات، والدي بالتبني استشرته مرة وأنا في الجامعة عن مشروع زواج، حيث كنت مغرمة في ذلك الوقت،

وطبعاً عندنا كان من العيب أن تفاتح الفتاة والدها في موضوع كهذا، ولكنى كنت مقتنعة أن لا أحد يمكنه توجيهي بصدق غيره، فكتب لي رسالة يشرح لي فيها أن الزواج سيقضي على طموحاتي وأنني سأنتهي ربة بيت إن خضت المشروع باكراً في حياتي وطلب منى أن ألغي الفكرة من دماغي،

فألغيتها وبعد سنوات عرفت نصيحته للأسف أغلب الفتيات العربيات يعشن علاقة خوف من آبائهن ولا يحاولن أن يكسرن الجدار، الذي بناه المجتمع بينهن وبين آبائهن، أنا فعلت ذلك وجعلت عائلتي كلها تشعر بحاجتي إليها في المنعرجات الخطيرة في حياتي ونجحت في تقريبهم منى وكسب ثقتهم.

تحرير المرأة - إذن كيف تنظرين للحركات التي تدعو لتحرر المرأة ومع وجهة نظرك ككاتبة هل أثرت هذه الحركات على واقع المرأة العربية ؟ حين أرى نفسي وقد خرجت من قرية صغيرة ضائعة في جبال الأوراس فى الجزائر أتأكد أن الحركات النسائية والرجال المحترمين، الذين وقفوا مع المرأة بالتأكيد غيرت الواقع،

ولا يجب أن نستهين بها وفى الحقيقة أعرف تماماً أن المناضلات الجزائريات في هذا الموضوع لم يستسلمن على مدى سنوات طويلة كما غيرن قوانين كانت تؤجل لأسباب غير منطقية ويكفي أنهن مثلاً غيرن بعضا من قانون الأسرة بعد أكثر من عشرين سنة من النضال ولا يزلن يطالبن بتغيير قوانين أخرى لحماية المرأة من ظلم المجتمع

واستغلاله البشع للنساء بسبب ضعفهن أو جهلهن أو سذاجتهن أو حتى غبائهن، أما أين وصلت هذه الحركات، فلا أدرى فمثلما تحقق تقدما وانتصارات مثلما يخترع التيار المعاكس لها عقبات وقوانين لصالحه،

وفى كل الحالات الرجل هو من يصنع القانون حتماً يفصله على هواه كي يتناسب مع مصالحه لا مع مصالح المرأة وأملنا أن يأتي جيل يفهم أن المرأة والرجل ليسا عدوين في هذه الحياة ولكنهما شريكان وجعل الله بينهما مودة ورحمة ليكون للحياة طعم جميل يتقاسماه معا.

* لماذا إصرارك علي البقاء في لبنان رغم الحرب، ورغم كل ما حدث؟

ـ في الأيام الأولى من الحرب أرسلت لي سفارتي تسألني إن كنت أرغب في مغادرة لبنان، ربما في البداية كنت خائفة، ولكنني كنت انظر حولي إلى الحياة التي أسسها على مدى أحد عشر عاما، وأجد انه من الصعب علي مغادرة هذا المكان مغادره بيتي الذي فيه مكتبتي،

وكمبيوتري الذي يضم نصوصاً، وجدت نفسي مرتبطة بهذه الأرض، لذا قررت البقاء هنا في بيتي وليحدث بعد ذلك ما يحدث، لأنه لن يحدث لي إلا ما هو مقدر من الله، حيث تأتي ساعة الموت لا يؤخرها شيء لذا لا جدوى من الرحيل.

خدمة وكالة الصحافة العربية

بيروت ـ لنا عبد الرحمن