عرض المسرح القومي مؤخراً، مسرحية «مانيكان» تأليف: الكاتبة السورية دلع الرحبي وإخراج الفنان التركي محمد نور الله تونجر، على مسرح دار الثقافة في حلب، وذلك ضمن الفعاليات الثقافية لحلب عاصمة الثقافة الإسلامية. والمسرحية عمل مشترك بين مجموعة من الفنانين: العراق، لبنان، تركيا، البوسنة وسوريا، والعمل من إنتاج المسرح القومي في دمشق.
تتناول المسرحية موضوع المرأة ومعاناتها في الحياة بشكل عام. فنحن في مشغل للخياطة، فيها مجموعة من الفتيات يعملن معاً، ويتم استغلالهن من قبل صاحب المشغل وسيدها الفنان العراقي «صادق عباس» بدأت المسرحية بمشهد صامت، حيث النساء خلف ستارة بيضاء تظهر خلفها العاملات بأثوابهن البيضاء في حالة تماهي مع «المانيكانات» الموزعة إلى جانب كل واحدة منهن، بحيث لا تميز بين الكائن الحي (المرأة) و(المانيكان) الشكل الجامد والصامت الذي لا حياة فيه.
وعند فتح الستارة تظهر المرأة العجوز والتي لعبت دورها الفنانة البوسنية «فكيتا صالح بيغوفيتش أوداغيدج» وتقترب من ساعة رملية وضعت في مقدمة المسرح، وهي تتحدث باللغة البوسنية، ونفهم منها أنها تعبِّر عن المرأة، حيث الزمن يأكلها دون أن تحقق شيئاً من حلمها ودون أن تعيش حياة طبيعية، ثم يقترب منها السيد صاحب المشغل فيسخر منها ويعنِّفها. ويتطور الفعل المسرحي أكثر، فكل امرأة أمام «ماكينتها» الموصولة بخيط حتى أعلى سقف المسرح.. هذا الخيط هو قدرها الذي لا فكاك منه، بينما آلة الخياطة التي تعمل عليها تطحنها مع مرور الزمن. في خلفية المسرح وضعت مظلات بيضاء غطت الخلفية باستثناء واحدة حمراء.
وقد قسم المسرح إلى قسمين: قسم على يمين المسرح وهو المشغل، وقسم على يسار المسرح يمثل مكتب صاحب المشغل، منصة سوداء مرتفعة قليلاً وضع فوقها مقعد للمديرين ، فاخر، أسود موشى باللون الأحمر قليلاً في وسط مسند الظهر. ضمن هذه السينوغرافيا التي صنعها المخرج التركي أيضاً دارت أحداث المسرحية التي استمرت ساعة كاملة، فقد سيطر السرد والكلام على حساب الحركة والتشكيلات الفنية. لقد حوصروا جميعاً في زاوية واحدة ورحن يسردن تفاصيل من حياتهن.
واحدة تروي ذكرياتها مع الرجل، وواحدة تحكي عن القهر الذي عانته في حياتها مع الرجل، وأخرى تتذكر بمرارة وألم أبيها الذي لم يهد أمها ورداً إلا يوم كفنها. هناك مواجهة واضحة بين جمال الأنثى من خلال مجموعة الفتيات، ووحشية الذكر من خلال صاحب المشغل. هو الذي يفرض «الموديل» الذي يجب أن يصنعه... «موديل» تافه، سخيف لا يحمل أي شكل جمالي، ولكنه رابح تجارياً.
صاحب المشغل يحدد لهن كل شيء.. نظام من القهر والتدمير لحياة كاملة تذهب سديً..حيث لا يحصل أي شيء جديد.. مفرح في حياتهن.. وحتى الفتاة التي استطاع أن يجذبها إلى جانبه صاحب المشغل وهي البوسنية «سنيجانا ماركوفيتش» لم تضف شيئاً جديداً للصراع، سوى المفهوم العام للمسرحية. المرأة أمام الرجل والزمن. الأسود والأبيض كما هو لون الديكور الذي صممه زهير العربي بشكل جميل وأنيق، وكذلك الإضاءة التي صممها نصر سفر فقد أضافت للمشاهد جمالاً وتعبيراً آخر.
ولم تستطع الموسيقى أن تلعب دوراً مهماً ضمن مفاصل العرض، ولا أن توضح شيئاً من المواقف الحسّاسة.لقد حافظت المسرحية على شكلانيتها دون أن تستطيع الدخول في مفهوم أعمق وأشمل للفكرة التي عرضتها... وظهرت من بين الممثلات الفنانة السورية «رنا جمول» التي استطاعت أن تعبِّر بقوة عن واقع المرأة ومعاناتها. وكذلك أجادت الممثلة التركية «أذكي سومر يولجو».
في دورها كواحدة من فتيات المشغل. ولا ننسى بقية الممثلات من سوريا «لويز عبد الكريم» و«كوزيت حداد» و«نظلي الرواس»، ومن لبنان «يمنى بعلبكي» ويبقى السؤال المهم الذي دار في رأس الكثيرين ممن شاهدوا العرض..ما أهمية مثل هذا العمل المشترك والذي يتحدث بثلاث لغات وهي العربية والتركية والبوسنية، ولم يفهم الجمهور أكثر من نصف الحوار. وبقى الأمر مقتصراً على فهم المعنى العام للمسرحية. ترى هل أرادت المسرحية أن تقول: إن معاناة المرأة هو واحد في كل مكان من العالم..لا أدري إن كان هذا هو الهدف ؟!
حلب ـ د. وانيس باندك:
