»أرسمُ فأظهر إلى الوجود«, هذا هو القانون الذي احتكمت إليه فريدا كالو بشخصيتها الشغوفة والمتناقضة بقدر ما هي فضائحية وساحرة. لكنها، بلا شك, تعتبر عند الكثيرين الفنانة الأميركية اللاتينية الأكثر فتنة.
منذ بضعة أيام، سئل الممثل الشهير إميليو فيرنانديز بوصفه مكسيكيا: ما الحب الأكبر في حياتك, فأجاب, مستلهما من النسيم العليل لمدينة هويسكا الإسبانية, حيث حظي بترحيب حار من جانب النقاد والمتفرجين, بكلمة واحدة فقط: »فريدا«.
أما ابنة أخيها إيزولدا بي. كالو، فإنها تعيش حياة عمتها مجددا من خلال كتاب »الجانب الحميمي من حياة فريدا«, الذي يعيد, بلغة بريئة وعائلية ومألوفة ورقيقة وتكريمية, بناء بعض الفصول التي تقاسمتها في ذلك المنزل الأزرق، الذي ينتصب في قلب كويوكان, حيث يحضر معجبو فريدا كل يوم إلى مكسيكو سيتي للتعبير عن حبهم وتقديرهم لها. ذلك أن فريدا كالو تشهد اليوم امتدادا جديدا، فيما يكتشف الخبراء وجوها جديدة لرسوماتها المليئة بالدماء والأحشاء والندوب والآلام.
أعمالها باتت أثمن الأعمال الفنية في مزادات الدور الكبيرة وصالات العرض حول العالم وهواة جمع الأعمال الفنية يدفعون بلا حساب ولا تردد لاقتناء هذه الرسومات الذاتية, التي تجمع نظرتها العقابية ـ فرضت لوحة »جذور« ( 1943) رقما قياسيا بلغ 5.6 ملايين دولار وهو أعلى ثمن تحصل عليه لوحة فنية في أميركا اللاتينيةـ كما تكتب المزيد من السيناريوهات الخاصة بالأفلام الوثائقية والأفلام السينمائية حول فصول من حياتها وتقدم ابنة الأخ رؤية أسطورية تقريبا بينما تتذكر باحتشام بعض الجوانب الغرامية من حياة عمتها.
وفي يوم من الأيام، تذكرها كارلوس فونتيس وأعاد بناء لقائه الأول معها، حين رآها وهي تدخل قصر الفنون الجميلة في مدينة مكسيكو سيتي، ويقول« عندما دخلت مقصورتها في المسرح، ألغت كل الأصوات الموسيقية والمشاهد المسرحية، وكان دخولها بمثابة دخول آلهة أزتيكية، تلك الأم المتدثرة بـ( تنورة ) من الأفاعي, مستعرضة جسدها التعس الممزق ويديها الداميتين مثلما تستعرض نساء أخريات دبابيسهن«.
كل كاتب مكسيكي يشعر أنه مجبر على التعليق والكتابة عن حياتها وأعمالها, حيث يؤكد كارلوس مونسيفاليس، على سبيل المثال, في كتابه »عن أوجه فريدة الممكنة », أن كالو كانت تتمتع بصفات فريدة بالنسبة إلى عصرها ويضيف: »هي رسامة وشيوعية وقومية ومشلولة وترفع شعار ( لتحيا الحياة). إنها امرأة كانت تؤمن بأمر واحد وهو »أنا أرسم, ومن ثم أظهر للوجود«.
تلك ما كانت عليه فريدا كالو وهي تبرز اليوم على أنها الفنانة الأميركية اللاتينية الأكثر سحرا وفتنة، وفي هذا السياق يأتي معرض لأعمالها يطوف في هذه الآونة القارة الأميركية بأكملها ليقدم دليلا إضافيا على موقع الذروة،الذي تتربع على عرشه هذه الفنانة العريقة في الخارطة العالمية للفن التشكيلي المعاصر. لكن، ما الذي نعرفه حول رسامة حولت رؤاها إلى 200 لوحة فنية من جميع الأحجام والألوان، حيث تظهر هي نفسها بصحبة نفسها وزوجها وحيواناتها وأشباحها والموت والألم والمشدات الجلدية والجبس، التي كان مجبرة على تحملها طوال سنوات؟
من نافلة القول إن أحدا لا يتفق مع فيلم سلمى حايك ولا مع الكتب، التي تظهر بشكل دوري حولها ولا مع الأبحاث المكتوبة من قبل خبراء ولا الأفلام الوثائقية التلفزيونية... فذلك يحدث عندما تكون الشخصية كبيرة والموضوع واسعاً وعندما يكونان معروفين بالطبع, وفي هذه الحالة, فإن أنصارها وكل مشاهد لأعمالها أو معجب بها يشعر بحق الاحتجاج لأنه لا يتفق مع المعالجة المرئية لهذه الشخصية العاطفية جدا والمتناقضة والمثيرة للجدل والفضائحية والساحرة, التي تتمتع بها هذه المرأة التي عاشت بالكاد 47 عاما، لكن كما لو أنها عاشت قرنا من الزمن.
إعداد: باسل أبو حمدة
عن »ربليون« ـــ إسبانيا
