على بياض اللوحة تنسكب الذاكرة وانفعالات الروح، تارة تستحضر مناظر طبيعية حفظتها مخيلة الطفولة، وتارة أخرى تتوقف عند بقايا مدينة تخفي أسرارها وأسباب وجعها في حاراتها الضيقة ووراء أبوابها ونوافذها المغلقة التي هدمتها السنون، هكذا يتخلّق المشهد وتتكامل السيرة ما بين التصريح والتلميح في تجربة الفنانة التشكيلية نوار ناصر التي كانت قد تخرجت من قسم التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1987،

لكنها تأخرت عشر سنوات قبل أن تقيم معرضها الفردي الأول في صالة أرابيسك ببروكسل (بلجيكا) عام 1997 بعد ذلك دأبت على أن تقيم معارضها كل عامين مرة، وكان رابعها وآخرها ذلك الذي أقامته مؤخرا في صالة »بيت ماما سعاد« بدمشق.

بدأت تجربة الفنانة من الواقعية الانطباعية التي انشغلت بالطبيعة وحارات دمشق القديمة، ثم رويداًً رويداً وفي معارضها اللاحقة باتت الأشكال تغيم في لوحتها، وتتماهى بضباب شفيف إلى أن مزجت في معرضها الأخير ما بين التجريد والرمز، فجاء اللون كي يحتل الفضاء، ويقول الكلمة الفصل، واكتسى الشكل الضبابي المبهم بالإشارات والأسئلة اللتين تحملان بين طياتهما روحا عذّبها الغياب وكسرتها الخيبات.

خامات الفنانة في معرضها هذا هي: ألوان الإكليريك والورق المقوّى أو القماش، ويبدو أن الأحمر أولا ثم البنفسجي فالأصفر هي الألوان الطاغية والمؤسسة لخلفية اللوحة، وهي خلفية كثيفة ونافرة تتموضع عليها طبقات لونية عدة مشتقة من لون الخلفية، والطبقات اللونية خشنة الملمس وغير مصقولة، نافرة وغائرة، غذتها الأصابع وحد السكين والفرشاة القاسية، ليكتسب بذلك المشهد أسباب توتره وقلقه، أو ربما صرخة رفض تعلن انسحابها من عالم يتهاوى.

يتكرر المشهد الضبابي من لوحة إلى أخرى: نافذة مغلقة كساها الغبار، باب خشبي جرفه النسيان، مغارة... وفي كل الحالات يوحي التكوين الغائر بعالم سري ينادي بالعبور إلى الضفة الأخرى، واكتشاف الكم الهائل من الحكايا والأسرار التي داستها خطا الزمن، وحين سألت الفنانة لماذا هذه البقايا؟ قالت: »لم يبق مني ومن دمشق التي أحبها إلا تلك البقايا«.

دمشق ـــ تهامة الجندي: