في عام 1998 ترك بيليه منصب وزير الرياضة في البرازيل كي يكون حراً ويعلق على مباريات كأس العالم في فرنسا، كانت البرازيل قد خسرت في المباراة النهائية لتلك البطولة بثلاثة أهداف نظيفة.. كان صديقه ماريو زاغاللو « لا يزال هو مدرب الفريق.. يقول بيليه عن تلك الهزيمة: «لم تثر تلك الهزيمة 3 ـ صفر ضد فرنسا قلقي بمقدار ما أثاره ما حدث مع اللاعب رونالدو، لم أكن حاضراً لكن قالوا لي إنه كان قد عانى من الدوار قبل المباراة بقليل. لقد نقلوه إلى المستشفى وبعد جملة من الاختبارات سمحوا له بالخروج، وأعتقد أن إرساله مباشرة إلى الملعب كان خطأ كبيراً.
وهذا ما قلته لزاغاللو (..)، وكان يمكن للاعبين آخرين مثل ادموندو ان يلعبوا بدلاً منه».
وكان البرلمان البرازيلي قد شكل بعد هزيمة البرازيل أمام فرنسا لجنة تحقيق للتدقيق فيما جرى لرونالدو وقد طلبوه كي يشرح ما حصل له. يقول بيليه: «إذا كنت أحيي النية التي كانت وراء المبادرة فإن نتائج التحقيقات كانت مخجلة تماماً إذ كان كل ما يريده السياسيون هو أن تسلط وسائل الإعلام أضواءها عليهم».
ويعود بيليه في الفصل الأخير من هذا الكتاب إلى الحديث عن أسرته. أنه يتحدث أولاً عن ابنه ادينيو الذي لعب لفترة من الزمن «حارس مرمى» لدى فريق سانتوس حيث أمضى أبوه سنوات طويلة وجميلة من حياته. قال أصدقاء بيليه إن أدينيو اختار أن يكون حارس مرمى كي يتجنب المقارنة مع والده، وهذا ما يجيب عنه بيليه بالقول: «لست متأكداً أن الأمر بهذه البساطة، ذلك أن أدينيو يحب حقيقة أن يكون حارس مرمى. ثم عليكم أن لا تنسوا أنني أنا نفسي لم أكن سيئاً بين العارضتين.
وكنت جيداً إلى درجة أنني كنت في الفريق الوطني كما في فريق سانتوس حارس المرمى الثاني كنت أعشق اللعب في ذلك الموقع. فالنجاح بصورة جميلة قد يبعث من السرور في النفس بمقدار ما يبعثه تسجيل هدف جميل».
لكن مسيرة أدينيو كحارس مرمى لم تذهب طويلاً إذ أصيب عام 1996 بركبته مما اضطره للبقاء بعيداً عن الملاعب لمدة عام ونصف، ويروي بيليه أن ابنه كان يقول له بأنه قد لعب خمسة عشرين عاماً دون أن يتعرض لإصابة خطيرة بينما هو تهشمت ركبته بعد أربع سنوات فقط، وكان بيليه يرد على ذلك مازحاً بالقول: «يا صغيري، لقد عاملت حراس المرمى معاملة سيئة طيلة خمسة وعشرين عاماً، وقد سببت لهم الكثير من الألم، واليوم أنت حارس مرمى وبالتالي تدفع ثمن الخطايا التي كنت أنا نفسي قد اقترفتها».
فخ المخدرات
عمل أدينيو بعد ذلك في إطار سباق السيارات وشارك بهذه الصفة في سباق غير مشروع عند الفجر حيث أدى حادث إلى الحكم عليه بالسجن لمدة عام ونصف.. لكن المشكلة الأكثر خطورة التي واجهها كانت في شهر يونيو من عام 2005 حيث فتشت الشرطة منزله في إطار عملية تجارة مخدرات وتبييض أموال. يقول بيليه: «عندما سمعت الخبر أحسست بأنني أغرق وسط كابوس لا يمكنني الخروج منه (..) وأدركت أنني في موقف لم أكن قد تصورت أبداً أنني يمكنني الوقوع فيه فابني جرى توقيفه بتهمة تجارة المخدرات.
فيا لسخرية القدر بالنسبة لإنسان أمضى حياته في مكافحة هذا الوباء»، ويضيف في مكان آخر: «كان الألم ينافس في قلبي كأب الإحساس بالعار والخوف ومشاعر الفشل والشك والحزن والحقد. كان الألم يعتصرني (...) وأحسست يومها بحاجة كبيرة إلى دونديتو ـ والده ـ الذي كان قد توفي عام 1998، وكأنني قد عدت إلى طفولتي من جديد» ويضيف في مكان آخر: «كان ذلك هو الامتحان الأكثر إيلاماً في حياتي، بكيت كثيراً ونمت قليلاً جداً»، ويشير بيليه إلى أن شهرته كانت عاملاً سلبياً بالنسبة لابنه أمام القضاء إذ كان أي تساهل سيدفع الناس للقول إن هناك «محاباة لابن بيليه».
خرج أدينيو من السجن في شهر ديسمبر 2005 «خلال فترة المحاكمة» و«كانت تلك هي أجمل هدية أتلقاها في أعياد الميلاد» يقول بيليه ليشير إلى أن ابنه كان في أقصى حالات الانفعال وكان يبكي غالباً، وطالب أباه مرافقته إلى مركز لمعالجة الإدمان على المخدرات في أحد ضواحي ساوباولو..
يقول بيليه: «يدرك أدينيو اليوم أن عليه مواجهة إدمانه للمخدرات (...) وإذا أراد أن يعيش حياة أفضل وأكثر صحية فعليه أن يخضع للعلاج.. فإرادة الشفاء هي نصف الطريق نحو ذلك الهدف» لكن ذلك الأمل بـ «الخروج من النفق» خبا سريعاً إذ قبضت الشرطة من جديد على أدينيو في شهر فبراير 2006 برفقة ستة من رفاقه، يقول بيليه: «مهما كان الحكم الصادر ضده فإنني آمل أن يكبر ابني مرة واحدة وإلى الأبد».
ما جرى للابن أدينيو دفع بيليه للاهتمام أكثر بعائلته بحيث ينظم بشكل أفضل أسفاره وبحيث تكون أقصر مدة. «لعلني أنا بحاجة لها اليوم أكثر مما هو العكس» كما يقول ويعيد ذلك إلى اقتراب شبح الشيخوخة. تتكون أسرته اليوم من سبعة أبناء وبنات وسبعة أحفاد يقول: «أكتب هذه السطور الأخيرة في عام 2006 الذي سيشهد عيد ميلادي السابع والستين، مازلت أحس أنني شاب، وأفراد عائلتي يعيشون طويلاً وأنا أنوي جيداً المحافظة على تقاليد العائلة».
الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب تحمل عنوان «الأيقونة» ويؤكد فيها بيليه على اعتزازه بمساهمة بلاده البرازيل في الثقافة العالمية، ويؤكد أيضاً أن البرازيليين يحبونه، لكن هذا لا يمنعهم من أن يكونوا قساة معه، ويقدم مثالين على تلك العواطف «المتناقضة يقول عن الأول: «منذ عدة سنوات كنت أجتاز شوارع ساوباولو بهدوء وأنا أجلس في المقعد الخلفي للسيارة عندما برز فجأة عند إشارة للمرور لصان مسلحان، جذب أحدهما المسدس على رأس سائقي وطلب منه أن يخفض زجاج الباب الخلفي وعندما عرفاني رفعا بابهاميهما إشارة الانتصار نحوي وقالا: نحن آسفان، لم يطاوعهما قلبهما على سرقة بطل وطني».
لكن بالمقابل يؤكد بيليه أن شهرته قد أعطته أحياناً نتائج معكوسة.. فإذا كان رجال الشرطة والجمارك في العديد من مناطق العالم رحبوا بدخوله إلى بلدانهم عند التعرف عليه دون مراقبة جواز سفره أو أمتعته فإنه على العكس «في البرازيل كان رجال الجمارك يفتحون غالباً حقائبي للتفتيش في محتوياتها، وبلد مولدي لم يكن يعاملني مثل بقية بلدان العالم»، يقول: «يوجد في الولايات المتحدة الأميركية متحف من أجل ألفس برسلي وآخر لمارتن لوثر كينغ ولكن لا يوجد متحف بيليه في البرازيل».
ويشير هنا إلى أن الصحافة البرازيلية لم تكن دائماً «حليمة» معه، وقد حدث كثيراً و«شوهت» تصريحاته مثلما حدث في نهاية سنوات السبعينات عندما قال في تصريح له بأنه ينبغي على الشعب البرازيلي أن يقترع في الانتخابات بصورة مناسبة، وكانت النتيجة كما يصيغها هي: «إنني قد شتمت الشعب البرازيلي ووصفته بأنه لا يعرف كيف ينتخب وبالتالي بأنه شعب غبي».
مشكلة مع رونالدو
ويروي في هذا السياق أنه كان في زيارة للصين خلال شهر مارس 2006 عندما سأله صحافي عما إذا كان اللاعب البرازيلي رونالدو سوف يستعيد لياقته لخوض مباريات كأس العالم في ألمانيا عام 2006، فأجاب: «إنني لا أشك لحظة واحدة في ذلك. رغم أن رونالدو يعاني من إصابة.
بالإضافة إلى أنه واجه مشاكل شخصية خاصة طلاقه وأنه من الصعب التركيز على كرة القدم عندما يعاني المرء من مشاكل أخرى. مع ذلك ليست هذه المشاكل كلها سوى مؤقتة، ورونالدو لم يفقد شيئاً من موهبته، وبالتالي يمكن المشاركة في بطولة العالم، كنت متفائلاً بالنسبة لمستقبل أحد أهم لاعبي كرة القدم البرازيليين، مع ذلك عندما سئل رونالدو قال بأنه كان من الأفضل لي أن أسكت فيما يخص حياته الخاصة وإنني قد قلت تفاهات، وكان قد جرى لي أمر مماثل قبل سنوات مع اللاعب روماريو، لكنه عندما عرف ما قلت حقيقة جاء واعتذر».
ويشير بيليه إلى أنه حرص دائماً على أن تكون تصريحاته «متزنة» و«محسوبة».. وإنه كان يكرر بصفته أدسون ناسيمونتو. يقول: «لذلك أتحدث أحياناً عن بيليه بصيغة ضمير الغائب، أعرف أن هذا لا يروق للبعض. لكنني أرى من الضرورة أن أدفع أدسون نحو الأعلى من أجل أن أجذب بيليه نحو الأسفل»، ويبدو بوضوح أنه كان «ممزقاً» بين الاثنين، ولا ينسى أن يؤكد قوله: «إنني فخور كون أن بيليه عاش حتى الآن، وكان بيليه لاعب كرة القدم، قد جال في أرجاء المعمورة كلها وسجل حوالي ألف وثلاثمئة هدف وحصل على العديد من البطولات.. (..) وأعرف أنني بوصفي بيليه أستطيع أن أدفع الأمور نحو الأمام».
ويحرص بيليه كما يؤكد القول بأشكال مختلفة، أنه خلال نشاطاته الإعلانية التي مارسها ولا يزال، لم ولن يقبل المساهمة في أية دعاية للكحول أو للتبغ، ثم أن المنتوج الوحيد في العالم الذي يحمل اسمه هو «قهوة بيليه»، وذلك منذ نهاية سنوات الستينات الماضية ولا تزال موجودة حتى الآن.. يقول: «القهوة هي أحد المواد الأساسية التي تصدرها بلادنا، وقد رغبت كثيراً أن أكون سفيراً لهذا المنتوج».
أفضل اللاعبين
وفي النهاية من هم لاعبو كرة القدم الذين نالوا إعجاب بيليه؟
انهم كما يذكر: المجري «بوشكاش» الذي لعب ضده مباراة واحدة كانت كافية لإدراك مدى «موهبته»، ثم هناك القيصر «بيكنباور» الألماني إلى جانب «مولر» و«فوغتس» و«زيلر» وهناك «كوبا» الفرنسي وبعده «بلاتيني» ثم زين الدين زيدان وتييري هنري، وعدد غيرهم، ويذكر بيليه العديد من اللاعبين الايطاليين من بينهم «باريزي» و«روبرتو باجيو».. ولا ينسى بالطبع اللاعبين الأرجنتينيين مثل باتيستوتا ودي ستيفانو و«العظيم مارادونا» والانجليزيين «ستانلي ماتيو» و«بوبي مور».
وفي الكلمات الأخيرة من هذا الكتاب يقول بيليه: «أنا رجل في الخامسة والستين عرفت حياته أكثر الأحلام جنوناً، وقد أبحرت بين الضحكات والدموع، الانتصارات والهزائم، وكان فرحى أكثر من حزني بالتأكيد، لذلك كله أشكر الذين دعموني، كل أولئك الذين ساعدوني كي أكون ما أنا عليه، وما كنته، كبيليه وكأدسون، فبدون الطاقة التي منحتموني إياها فما كان لي أن أكون هنا اليوم».
يقول اندي وورهال أحد أشهر رجال الدعاية والإعلان «بيليه هو أحد الأشخاص النادرين الذين خالفوا نظريتي بأن المجد يستمر خمس عشرة دقيقة، فمجده سيستمر خمسة عشر قرناً».
