أجد صعوبة وغصة وألماً كلما اضطررت لتحية صديق يترجل عن فرسه ويستسلم، فالزمن العصيب الذي نحن فيه خال من الفرسان، والرجال قليلون وكلما رحل فارس ظل مكانه خالياً ولا ظل له إلا ما يتركه من اثر، وهذا هو العزاء
رجل المهمات الصعبة، والمواجهات، العربي التونسي الذي ما ترك عروبته حتى رمقه الأخير، شاعر سليط اللسان لا يخاف من إشهار رأيه ولو كان على حد السيف، تحترمه وتحبه على الرغم من اختلافك معه، هكذا أعرفه منذ سنوات طويلة، هو رجل لا يعرف المستحيل، وإن كان قد خرج من الدنيا كما دخل إليها إلا من بضعة مؤلفات ستذكره بها الأجيال، ومواقف شديدة الأثر سيسجلها له تاريخ اتحاد الكتاب العرب،
واتحاد كتاب تونس الذي ظل متربعاً على كرسي الرئاسة أكثر من خمسة عشر عاماً، لكنه لم يكن يفرض نفسه بشكل دكتاتوري، إنما لأنه كان مؤهلاً وقادراً على اشغال هذا المكان بإمكاناته، وكان الكتاب التونسيون يختارونه طوعاً وإيماناً بقدرته وتأثيره على الرغم من خلاف العديد منهم له فكرياً، أو له ملاحظات عليه، حضرت حواراً طويلاً له في تونس مع «صديقه اللدود» الأديب التونسي محمد العروسي المطوي،
وبقيت مستمعاً لهما، وهما يتحاوران، ذهلت من طبيعة الحوار الذي لم يكن متعصباً ولا حدياً على الرغم من المصارحة التي كانت تصل إلى حدود لا مدى لها، وبين الحين والآخر، يقول أحدهما انني أعتز بك وبصداقتك على الرغم من اختلافي معك، وفي نهاية سهرة الحوار ابتسم كل واحد للآخر، بل قهقها طويلاً وبعمق، وقبل كل واحد الآخر معتذراً.
هذه الحالة تتكرر عند الميداني «ابو نزار» كثيراً سواء في اجتماعات اتحاد الكتاب العرب أو في بلده تونس، هو معروف بسلاطة لسانه وجرأته وبوضوحه، وبقدرته على الحوار الطويل مع الحجج والبيانات هو من بقايا المقاتلين العرب الذين افنوا حياتهم يدافعون عن قضاياهم بنفس الخطاب ونفس الروح والاندفاع، فعلى معرفتي بتاريخه السياسي كان أحد أهم الأقطاب السياسيين في الحركات القومية العربية أو لاحقاً في تونس أو باريس، وقد ساهم في تشكيل الجمعيات والجماعات والروابط الأدبية والسياسية منذ عام 1947.
صوت الطالب الزيتوني 1947.
الاتحاد العام لطلبة تونس 14978.
رابطة القلم الجديد.
الاتحاد العام التونسي للشغل.
جمعية اللقاءات المغربية.
أحد مؤسسي اتحاد كتاب تونس 1971 وترأسه من عام 1991
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان 977 وأصبح عضواً في مجالس إدارتها لمدة 17 عاماً متتالية.
مدير تحرير مجلة المسار.
عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
عضو مجلس المستشارين التونسيين.
لقد عايشته فترة طويلة بحكم معرفتي الشخصية به وبمواقعي في العمل الثقافي وزياراتي لتونس أو زياراته، لذا أجد صعوبة أن أتخيل مكان ابو نزار في اتحاد الكتاب تونس شاغراً، لأن رحيله يولد فراغاً كثيراً يصعب إشغاله على الرغم من إيماننا بقدرة الزملاء الكتاب التونسيين وثقافتهم التأسيسية وروحهم القيادية، وأعرف مدى قدرتهم على التحرك السريع والمبادرات الجيدة، لأني أدرك أيضاً أن تونس بلد حضاري معطاء، شكل تاريخه الحضاري إضاءة جميلة في الحضارة الإنسانية،
وكانت تونس بوابتنا الحضارية إلى الغرب الأوروبي عبر مئات السنين، وإن آثارها في قرطاج شاهدة على هذا العمق الحضاري الضارب في التاريخ، وحينما أقول ان الميداني يولد فراغاً أعني أهميته كأديب وشاعر وإنسان ورجل يتحمل المسؤولية في زمن صعب في إطار التحولات السريعة. ومما يجدر الإشارة إليه نشاط أبو نزار «الميداني بن صالح» في الكتابة فعلى الرغم من حياته الحافلة ومهامه ومسؤولياته وتحركاته، فهو أيضاً منتج ومبدع، فقد أصدر على معرفتي 12 مجموعة شعرية
قرط أمي 1969 وطبعت عدة طبعات.
الليل والطريق 1974 وطبعت عدة طبعات.
زلزال في تل أبيب 1974 وطبعت عدة طبعات.
من مذكرات خماس 1977.
الصوت الخالد 1981.
الوحام 1985.
الأقنعة 1988.
الحان وأناشيد 1997.
تونس الإشعاع 1997.
إقباس في كهف الظلمة
في رحاب المتولي
اعتذار
كذلك صدرت له كتب في التاريخ وكان في انتظار طباعة مجموعات شعرية أخرى لم تر النور في حياته.
والميداني بن صالح شاعر مبدع، لم يكتف بإصداراته المتعددة، والتي تكرر طباعة معظمها، إلا أنه أحد أهم الشعراء التونسيين الذين حصلوا على تكريم في حياتهم، وقد منح عدة جوائز أهمها:
- الصنف الثالث من وسام الاستحقاق الثقافي.
- الصنف الرابع من وسام الجمهورية.
- الميدالية الذهبية سنة 1998.
- الصنف الأول من وسام الاستحقاق الثقافي 1999.
- الميدالية الذهبية 1999.
أبو نزار واحد من أهم الشعراء العرب في القرن العشرين وكانت مساهمته واضحة في الخطاب الشعري العربي، كان شاعراً ملتزماً بقضيته الأساسية دون أن يحيد عنها بل كان شجاعاً حتى في نقد الفكر الذي آمن به عند أي خطأ ظهر في هذا الخطاب عبر نضال سياسي وأدبي طويل منذ أكثر من نصف قرن، لذا فإننا لا ننعي «أبو نزار» فهو واحد من شواهد عصره في تونس،
هو جزء من قرطاج التاريخ والحاضر، وهو الصوت الذي لم يخفت، لم يستسلم طيلة حياته على الرغم من كل ما مر عليه من مآس وصعوبات ومواجهات ومعارك نضالية، لكنه ترجل أمام السرطان بعد مقاومة عنيفة دامت أكثر من عام واستسلم له، ليودعنا جسداً، تاركاً وراءه مواقفه الإنسانية والقومية، والميراث من الإنتاج الإبداعي، واتحاد كتاب تونس الذي كان ركيزة له واحد من أهم منجزاته.
ابو نزار. لا أرثيك.. ولا أودعك..
وعزائي في الزملاء الذين يحملون المسؤولية من بعدك.
عبد الإله عبد القادر