الإبداع الأدبي والثقافي يحتاج إلى الدعم المادي والمعنوي كما يحتاج إلى مساندة المؤسسات المختلفة ليساهم ذلك في إنتاج وخروج رواية أدبية أو مجموعة قصصية، ويؤكد كثير من المثقفين أن ذلك تقليد عربي وغربي موجود منذ سنوات. فتحنا ملف تبني رجال الأعمال للمسابقات الثقافية، وذلك عقب تبني نجيب ساويرس رجل الأعمال المعروف مسابقته الثقافية في الأدب والرواية والقصة، وحول جدوى دعم رجال الأعمال للأنشطة الأدبية وردود فعل ذلك على الوسط الأدبي والثقافي،
تباينت آراء الأدباء والمثقفين فالروائي جمال الغيطاني رئيس تحرير مجلة أخبار الأدب قال: إنه في القرن الماضي وقبل عام 1952 كانت الجوائز الأدبية وقتها ترصدها شخصيات ثرية وغنية، وكان ذلك تقليداً عربياً وأوروبياً، وقديماً كان الأغنياء وأصحاب المال دائماً يسعون إلى تبني شاعر أو كاتب ويساعدونه على تمكين مواهبه وتحقيق أحلامه الأدبية والفكرية، فنجد في أوروبا أن رجال الأعمال وأصحاب المال تبنوا عدداً من الموسيقيين أمثال (بيتهوفن) ووقفوا بجانبه حتى أصبح من كبار الموسيقيين في العالم، وأعتقد أن هذا التقليد مازال موجوداً في العديد من دول الشرق والغرب،
وأن فكرة وقوف الأغنياء بجانب الأدباء ليست فكرة جديدة. ويشير إلى أن أول جائزة حصل عليها الأديب العالمي نجيب محفوظ كانت من امرأة ثرية كانت تتبنى الإبداعات العربية وهي «قوت القلوب الدمرداشية» وأنه مع التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها البلاد الآن، لا يوجد ما يمنع تبني رجال الأعمال لمسابقات وأعمال أدبية، وقد اقترحت على رجل الأعمال نجيب ساويرس عمل جائزة ثقافية مع معرفته بأن هذا تقليد موجود في المجتمع المصري قديماً، ولم يكن هناك مانع عند ساويرس، فبدأ يفكر معنا في رصد مجموعة من الجوائز المالية للمبدعين في القصة والرواية،
وفى رأيي أن ساويرس لم يقم بهذا من أجل الشهرة بل لدعم الأنشطة الثقافية. ففي أوروبا الذين يفعلون هذا ويقفون بجانب شاعر أو كاتب يتم إعفاؤهم من الضرائب، وأعتقد أن رجال الأعمال لم يتبنوا فقط مسابقات ثقافية فحسب بل يعطونا منحاً علمية وتبرعات للبحث العلمي، كما نجد أيضاً أثرياء العرب سبقونا في ذلك، ففي الكويت يتبنى رجل الأعمال عبد العزيز البابطين والسيدة سعاد الصباح جوائز أدبية، وفى الإمارات العربية المتحدة نجد جائزة السلطان العويس وفي اليمن نجد جائزة آل سعيد هائل.
المثقف الفقير
ولم تختلف الكاتبة د. فوزية مهران في موقفها عن الرأي السابق حيث قالت إنه من المهم أن يهتم رجال الأعمال بالجانب الثقافي، لأن الثقافة هي البعد العميق والمهم لكل نشاط إنساني، ومن المفروض ألا يتأخر أي رجل أعمال بهذا الجانب كما هو مهتم دائماً بجمع المال لكن عندما يتبنى رجال الأعمال هذه المسابقات فمن الضروري ألا يغلب عليها الجانب الدعائي وتفريغ محتواها الأدبي والثقافي، لأن هناك فرقاً بين الدعاية والمحتوى الثقافي. وأضافت بأن اتجاههم الأدبي والثقافي لابد وألا يغلب عليه نشاطهم وشعاراتهم التي تتعارض مع مصلحة الشعب، وأن يكونوا موضوعيين في إتاحة الفرصة لجميع الآراء والاتجاهات مما يعطي للجو الثقافي العام ثراء وتنوعاً. تؤكد الكاتبة بأن المثقف فقير وأن أي جائزة مالية ومعنوية لا تتناسب بشكل أو بآخر مع الجهد الثقافي المبذول في العمل الأدبي.
معارك المثقفين
ويرى الروائي يوسف القعيد أنه عندما يتبنى أي رجل أعمال موهبة، ويقيم مسابقة ثقافية فإن ذلك من التقاليد التي يجب تشجيعها بشرط أن تكون هناك شفافية في الأمر، كما أنه من الضروري إعلان الشروط وإعلان أسماء المتقدمين ولجنة التحكيم وحيثيات المنح وحيثيات عدم المنح، وفى حالة إتمام الأمور في سرية تامة ولا يتوافر فيها أي شرط معلن فهذا خطأ، وأتمنى أن تكون مسابقاتنا الثقافية مثل مسابقة السلطان العويس التي يتم الإعلان عنها في شكل رسمي وبيان واضح مع معرفة أهدافها الواضحة واحترام القيم والتقاليد.
جوائز منحدرة
ومن جانبها تقول الكاتبة اللبنانية المقيمة في مصر لنا عبد الرحمن أن الجوائز على إطلاقها في وطننا العربي هي جوائز مشكوك في أمرها وجدواها لأن معظمها قائمة على العلاقات والمصالح والصداقات الشخصية فأي جائزة أدبية نجد فيها المستنفع يستقي قوتها من مدى وعمق الثقافة في مجتمع ما وبما أن الثقافة في مجتمعنا العربي تحتل مرتبة متدنية جداً،
وكل مثقف يرى أن الثقافة هي النافذة الأضيق نتيجة الفساد السياسي والثقافي والاجتماعي بسبب انخفاض الوعي بشكل عام حتى عند نخبة الطليعة ومن هنا تنحدر الثقافة بكل ما تشتمله من جوائز ودعائم. أما فيما يتعلق بالجوائز والمسابقات الثقافية فحتى المؤسسات الرسمية الثقافية لا تعطي جوائزها لمن يستحقها مما يؤكد على انحدار عام في المستوى الثقافي.
وترى ان صدق حال أي رجل أعمال في مساندة شاب مبدع أو تزكية لرواية ما أو لقصة أفضل بكثير من صرف هذا المال في عمل فيديو كليب أو على الفنانين وصرف المال على أنصاف الموهوبين في حقول الغناء لكن أيضاً كله في الهباء ولا عزاء للثقافة العربية والأدباء والشعراء. محاذير الدعم بينما اتخذ الناقد د. عبد المنعم تليمة موقفاً أكاديمياً حيث قال: إن العالم تحكمه طاقة وحركة تقف على ساقين إحداهما الرسمي والذي تتجلى فيه مهام تقوم بها الدولة من خلال حمايتها للموروثات الثقافية والعلمية ..
وكذلك إحيائها بإعادة تحقيقها ونشرها وتشجيع الجديد فيها من العلماء والمفكرين أما الساق الأخرى فهي المجتمع نفسه والمؤسسات الرسمية والشعبية والتي يتجلى فيها دور الاتحادات والجامعات والأفراد القادرين، أي الذين يملكون أموالاً طائلة، وهذه المؤسسات الشعبية كان لها دور رائد وفعال على الفعل الثقافي منذ أكثر من 40 سنة، وبدأنا أخيراً في السنوات الماضية في اتساع حركة النشاط الثقافي للمؤسسات الرسمية، حتى تستطيع إقامة دورها التدعيمي والفعال حتى انبثق من الساق الثانية ظهور رجال الأعمال التي برزت جهودهم في مجال الثقافة، فنحن نعتبرها جهوداً فردية وبالتالي أصبح نشاطهم مجرد نشاط فردي وليس جمعياً.
لكن هناك محاذير وحساسيات سواء كان الدعم أو التشجيع الأدبي والمالي من جهات أجنبية أو رسمية من رجال الأعمال، فلابد من وضع ضوابط ومعايير ثابتة لا نتخلى عنها، منها أن تكون الجائزة لأي مسابقة ثقافية محتوية على الشفافية مهما يكن مصدرها وكذلك وضع قوانين معلقة تخضع للمراقبة والمحاسبة العامة حتى لا تتدخل فيها الرشوة والمساءلة، كذلك يجب أن تكون لجنة التحكيم من أهل الاختصاص أي من أهل الثقافة أو السينما أو المسرح حسب نوعية المسابقة والأعمال المقدمة فيها وليس الحكم فيها يكون فردياً. .
نزاهة وتنمية
من جانبها ترى الناقدة فريدة النقاش أن اتجاه أي رجل أعمال لإنشاء مسابقات بأسمائهم هو اتجاه إيجابي يعبر عن اهتمام بعض رجال الأعمال بالثقافة والالتفات إلى الدور الحضاري الذي يجب أن يكون المال له دور فيه، ولكن ليس بالضرورة أن يشترك صاحب المال في اختيار لجنة التحكيم على الأعمال الثقافية حتى لا يقع في الشبهات وأن تتكون اللجنة من كُتاب ومثقفي الدولة الذين لا علاقة لهم بالشبهات ومتميزين بالنزاهة الأخلاقية والفكرية.
القاهرة ـ داليا فاروق: