يقول هنري كيسنجر، وزير خارجية أميركا الأسبق، في جملة له: «إن أغلبية عشّاق كرة القدم اليوم لم يروا أبدا بيليه وهو يلعب، ولكنه يشكل مع ذلك جزءاً من حياتهم».

بتاريخ 27 سبتمبر 1977 منحت منظمة الأمم المتحدة لقب «مواطن العالم» لبيليه.. جاء ذلك التكريس في لحظة مهمة بالنسبة له إذ كان يتساءل: «وماذا بعد كرة القدم؟» يقول: «قد جرى تكريسي ـ مواطناً للعالم ـ قبل عدة أيام من تقاعدي، وحتى لو كانت لدي شركات وعقود إعلانية فإنني كنت أريد أن أفعل شيئاً آخر غير تأجير اسمي لمن يدفع أكثر لما بقي من أيام حياتي».

لقد فهم بيليه من منح الأمم المتحدة له ذلك اللقب «مواطن العالم» بأنه يحتل مكانة خاصة في اللاوعي الجماعي. يقول: «بمجرد تسديدي للكرة وتسجيلي الأهداف توصلت إلى أن أجسّد على مستواي، ما كان ملايين الأشخاص يحبّونه في كرة القدم. لقد وصلت إلى تلك الشهرة بفضل السماء وأهلي واللاعبين الذين كانوا بجانبي وعلّموني الكثير.. وها قد جاء الوقت كي استخدم هذه الشهرة بطريقة ايجابية».

عمل بيليه في البداية بمثابة مستشار لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» ثم أصبح نوعاً ما «الناطق باسمه» حيث سافر إلى مختلف أصقاع العالم من أجل تمثيل الفيفا. وكان إلى جانب مهمته الجديدة «سفيراً للإرادة الحسنة» لدى المنظمة الدولية لحماية حقوق الطفل ـ اليونيسيف ـ التي جعلت من ضمان حقوق الأطفال، من صحة وسعادة، هدفها الأول.

وقد اشترك في عدة حملات لجمع الأموال لهذه المنظمة ولايزال هذا الاهتمام يشغل مكاناً مركزياً في حياته. وقام في شهر نوفمبر 2001 بالتوفيق بين الاتحاد الدولي لكرة القدم والمنظمة الدولية لحماية حقوق الأطفال في أمسية للاحتفال بشراكة المنظمتين من أجل إهداء كأس العالم لكرة القدم عام 2002 لجميع أطفال العالم.

الأبوة والطلاق

يقول بيليه: «إنني لم أنس أبدا طفولتي. ثم إن عالماً لا يعتني بأطفاله ليس له أي مستقبل».

كان حب بيليه للأطفال قد تجسد بولادة طفلته «جينيفر» عام 1987. كانت الطفل الثالث في أسرته التي تمزّقت مباشرة بعد الولادة.

لقد كان غائباً في الأرجنتين عند ولادتها الأمر الذي لم تقبله زوجته روزماري أبداً. ولم تتحمل غيابه المستمر و«طلبت الطلاق».. هذا ما يعلق عليه بالقول: «كان لها الحق في ذلك إذ إن نشاطاتي كانت تلتهم كل وقتي تقريباً. وكنت أمضي ثمانية أشهر في السنة وأنا على سفر. ولا شك أنه كان من الصعب عليها أن تتحمل بنفس الوقت مسؤولية الأم والأب. وكلما فكّرت أكثر بذلك يقلّ لومي لها».

وفي أسبوع ولادة الطفلة جينيفر، أعلن بيليه وروزماري عن انفصالهما بعد اثنتي عشرة سنة من الزواج. وجرى الإعلان عن طلاقهما في جمهورية الدومينيكان. تابع بيليه الانفاق على زوجته السابقة والاهتمام بأطفاله بالطبع.

وبعد عدة سنوات كان «حزن» بيليه كثيراً كما يقول عندما علم أن روزماري تستعد لإصدار كتاب عن حياتها معه.. وذلك رغم احتجاجات أطفالهما واحتجاجات بيليه أيضاً. وقد كشفت في ذلك الكتاب أنه كان لبيليه مغامرة نسائية مع امرأة أخرى قبل زواجهما رسمياً.

يقول بيليه: «أثمرت تلك الخيانة عن ولادة ساندرا رجينا ماشدو عام 1964، أي قبل عامين من زواجي. كانت أمها تدعى انيزيا ماشدو، العاملة. وعندما جاءت مع الطفلة إلى بيتي كنت قد تزوجت، ربما أنني كنت قد عاشرتها مرّة واحدة ووحيدة كان رد فعلي الأولي هو نفي إمكانية أن أكون الأب (...). ولكن بعد سلسلة من المحادثات وسوء التفاهم تقرر أنني الأب. وسمحت المحكمة بأن تستخدم الطفلة اسم عائلتي ناسيمونتو».

لكن القصة لم تنتهِ عن هذا الحد فالطفلة نفسها التي كانت قد غدت يافعة، قررت بدورها أن تنشر كتاباً تحت عنوان: «الابنة التي لفظها الملك». وجد بيليه ذلك «جارحاً»، لاسيما وأن ساندرا لم تتصل به إلا في عام 1991. يقول: «لقد ذهبت أختي ماريا لوسيا للتحدث معها وأحسست أن ساندرا تهتم بمالي أكثر مما تهتم بحضوري. أما فيما يخصني فقد كانت القضية قد أقفلت، إذ إنني احترمت قرار القاضي وقبلت واقع أن ساندرا هي ابنتي».

وهنا يفتح بيليه قوسين ليتحدث عن «علاقة نسائية» أخرى كان قد أقامها، وبعد الزواج هذه المرة، نقرأ:«مع ذلك لا أستطيع أن أنفي أنني عشت علاقة قصيرة خارج إطار الزواج عام 1968 مع صحافية من صحيفة ريوغراند دوسول، اسمها لونيتا كورتز. هذه المغامرة أثمرت أيضاً طفلة هي فلافيا كريستينا كورتز، ولحسن الحظ بقيت هذه القصة خارج المحاكم.

وقد جاءت فلافيا للقاء بي وليس من أجل سحب الأموال. ومنذ اللحظة التي وقع عليها نظر أمي عرفت على الفور أنه لا حاجة لاختبارات الحمض النووي فقد كانت حفيدتها لا شك في ذلك. لقد تزوجت فلافيا وعلاقاتنا الآن جيدة. وهي تأتي أحياناً لزيارتي».

ويؤكد بيليه القول: «كان طلاقي من روزماري أحد أقسى الامتحانات التي عانيت منها طيلة حياتي. وكنت أحنّ كثيراً لإمضاء الوقت مع أطفالي». لقد قرر البقاء في نيويورك ووقع عقداً جديداً مع شركة وارنر للاتصالات لمدة عشر سنوات هذه المرة. هكذا وجد نفسه «عازباً من جديد» في مدينة لا تنقصها إمكانيات التسلية.

وتعرّف في تلك الفترة باللاعب جورج بيست الذي كان يردد له باستمرار: «أي نوع من الملوك أنت؟ إنك لا تشرب ولا تدخّن»، وكان بيليه يجيب ضاحكاً «وأنت، أي نوع من الإنجليز أنت؟ أراهن على أن دماً أميركياً جنوبياً يجري في عروقك».

وعن علاقته في فترة «العزوبية الجديدة» يقول بيليه: «كان من حظي أنني عشت مع ملكتي جمال هما ديزنونيس روسوزا عام 1986 وفلاتيا كاتالكاتي في نهاية عام 1989، والاثنتان كانتا قد فازتا بلقب ملكة جمال البرازيل». ويشير بيليه إلى أن هذه الأخيرة كانت تضع أحياناً في يدها اليسرى خاتم زواج، مع أنه لم يكن يريد الزواج، لكن «عندما حلّت بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1990 في إيطاليا، كنّا قد انفصلنا».

يقول بيليه قبل أن يشير إلى «مغامرة» أخرى يصفها بالقول: «من بين جميع مغامراتي بعد الطلاق، كانت الأكثر إثارة للتعليقات هي تلك التي عشتها مع ماريا داغراسا مينيغيل» الشقراء الجميلة من الأصل الألماني والتي أطلقت على نفسها اسم «كزوكسا». كانت في سن السادسة عشرة عندما تعرّف عليها بمناسبة التقاط بعض الصور معها ومع عارضتي أزياء أخريين في ريو لصالح مجلة «ماشيت».

يقول: «لقد دعوتها لحضور حفلة موسيقية وكانت صغيرة السن إلى درجة أنه كان علي أن أطلب إذن والدها. رأيت فيها بداية مجرد صديقة، ثم أصبحت أكثر من ذلك. وكانت قد تعودت القول بأن علاقتنا كانت زاخرة بالألوان، وهذا ما كنت أجيب عليه بالقول بأنها سوداء وبيضاء».

ساعد بيليه «صديقته» كثيراً وقدّمها للعديد من أصدقائه من السينمائيين وأعطاها أحدهم دوراً لفت إليها نظر مجلة «بلاي بوي».. التي وضعت صورتها على غلافها في نهاية عام 1982. وقد أثبتت كفاءتها أيضاً عندما قدّمت برنامجاً تلفزيونياً للأطفال كان بيليه أحد ضيوفه»، مرّات كثيرة، حيث كان يعزف على «الغيتار» أو يموّه نفسه تحت شخصية بابا نويل.

استمرت علاقتهما ست سنوات، وقد عاشت بعده مع «أرثون سينا» بطل سباق سيارات الفورمولا ـ 1. يقول بيليه: «عندما توفي أرثون في الأول من شهر مايو 1994 كنت شديد الحزن عندما سمعت بالخبر مثل جميع البرازيليين، لكنني أتذكر ذلك التاريخ لسبب آخر وهو أنني كنت في عشية ذلك اليوم قد تزوجت بأسيريا».

الزواج الثاني

كان أسيريا من مواليد مدينة ريسين بالبرازيل. وغادرت البلاد وهي في الثامنة عشرة من عمرها إلى نيويورك لدراسة علم اللاهوت في الجامعة البابوية. ودرست بعد ذلك علم النفس. التقى بها بيليه للمرة الأولى عام 1985 عند أصدقاء مشتركين مما كان سبباً في تكرار لقاءاتهما.. كانت متزوجة آنذاك. ويشير بيليه أنه لم يتوقف بعد تعرّفه عليها عن التفكير بها رغم أسفاره المتعددة إلى مختلف أرجاء المعمورة، وعدم رؤيتها لفترة طويلة أحياناً.

لكن «في نهاية سنوات الثمانينات انهار زواجها. وبدأنا نلتقي أكثر فأكثر.. وذات يوم كنّا صديقين، ثم في اليوم التالي أصبحنا عاشقين»، كما يقول ويضيف إنه رغم التجارب الكثيرة التي عاشها في حياته كان «مثل أغلبية البشر يحلم بأن تكون عنده أسرة وأطفال وحياة سعيدة. ومن حسن حظي أنني حصلت على هذا كله».

لقد أحببت زوجتي الأولى وأحب أطفالي. أحببت بعد روزماري من جديد وأنجبت أطفالاً آخرين.. وأصبحت أكرّس نفسي لهم أكثر فأكثر مع اقتراب الشيخوخة، وأنا صافي الذهن».

بعد زواج بيليه واسيريا بعامين، يعترف بيليه أنه لجأ إلى الطب لإمكانية الإنجاب من جديد.. وقد رُزق بتوأم «جوشوا وسليست» عمرهما الآن عشر سنوات.. وكانا قد تركا نيويورك للإقامة من جديد في البرازيل. يقول بيليه: «أسيريا وأنا متزوجان منذ إحدى عشرة سنة. وأعرف أن ذلك التغيير ـ الانتقال إلى البرازيل ـ لم يكن سهلاً بالنسبة لها.

لقد تركت المدينة ـ نيويورك ـ التي كان قلبها قد اختارها لتتزوج من برازيلي، ورجل شهير. وعندما تتزوج أميرة من ملك عليها أن تقيم معه في قصره وخدمه وأصدقائه».

لم يحب بيليه كرة القدم والنساء وأسرته فقط، ولكنه أحبّ أيضاً السينما وشارك في العديد من الأفلام الوثائقية، والدعائية والتي أشهرها فيلم «الهروب إلى النصر» لمخرجه جون هيوستون، وكان من أولها فيلم «الملك بيليه، عام 1962.

ثم أصبح بيليه وزيراً للرياضة في بلده ويشهد على أن الحكومة كانت قد وحدت جهودها أكثر من مرة من أجل الوصول بالبرازيل إلى مستوى افضل.. وأنه كانت هناك بعض اللحظات الودية والجميلة..

ويروي في هذا السياق ان وزير الصحة «أديب جاتين» سأله ذات مرة: «كيف حال وزارة الرياضة؟» فأجابه بيليه: «أنت مخطيء فوزارتي هي الصحة.. أما أنت فوزير المرض».

سافر بيليه كثيراً عندما كان في الحكومة برفقة الرئيس وقابل الكثير من الرؤساء والملوك.. وكانت اليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا، قد منحته عام 1998 لقب «فارس» في قصر بيكنغهام..

وسألته الملكة يوماً إذا كان يريد المجيء كي يلعب مع فريق ليفربول: «فريقها، كما افترض»، يعلق بيله.. وقبل تركه للحكومة بفترة قليلة صدق البرلمان البرازيلي على القانون الخاص بتنظيم النوادي الرياضية والمحافظة على حقوق اللاعبين، وقد عرف باسم «قانون بيليه».