هل هناك ضوابط لكتابة المذكرات السياسية، أم أن الأمر متروك لكل من اقترب من الأحداث، أن يدلي بدلوه كيفما شاء لتخلوا هذه المذكرات من الموضوعية والمصداقية، وتصبح مادة لتشويه التاريخ وذاكرته وباباً لتصفية الحسابات من الخصوم؟
هناك العديد من المذكرات السياسية التي تناولت صوراً من الحياة السياسية لأصحابها وأصبحت مصدراً للتأريخ السياسي، ففي مصر وقبل الثورة كانت هناك أمثلة كثيرة لتلك المذكرات بدأت من سعد زغلول، والتي كتبها بيده ثم عاد الكاتب الصحافي الراحل مصطفى أمين وكتبها وأرخ لها في كتابين هما «من واحد لخمسة» و«من واحد لعشرة» ويروي فيها، ما كان يراه فترة وجوده في منزل الزعيم سعد زغلول بحكم صلة القرابة بينهما، ثم مذكرات محمد حسين هيكل، في عام 1928،
تلتها بعد ذلك مذكرات عبد الرحمن الرافعي ومن قبلها كانت مذكرات محمد فريد والتي كتبها في منفاه، وهذه المذكرات الأربعة تعد أشهر المذكرات التي كتبت في هذه الحقبة التاريخية من تاريخ مصر، لترصد الصراع الدائر بين المصريين والاستعمار البريطاني على مصر، كما تعتبر نافذة على الأحوال السياسية والاجتماعية الداخلية لمصر في هذه الفترة.
تأتي بعد ذلك العديد من المذكرات التي تناولت حياة الملك فاروق وفترة حكمه، ومعظم كتابها طاشت أقلامهم لتنبش وتفضح الحياة الخاصة بالملك والقصر، وقد جعلت هذه المذكرات حياة الملك الخاصة مادة خصبة للمذكرات، وكانت وراء مكاسب مادية كبيرة وراحت تزايد على الحقيقة وتنعت الملك وحاشيته بأحط النعات، وأنه وراء صفقة الأسلحة الفاسدة في حرب 48، لتجيء هذه المذكرات انتقاماً وتوضيحاً للأوضاع المتردية التي وصلت لها البلاد في هذه الفترة على يد الملك فاروق،
والذي لم ينصفه سوى منير ثابت السكرتير الصحافي للقصر والصديق الشخصي له في مذكراته، والتي تناقلتها الصحف وأعادت نشرها بعض دور النشر في السنوات القليلة الماضية، فقد أنكر في مذكراته عن الملك كثير من الصفات التي وصفها به الكثيرون من كونه كان زير نساء أو شراهته في التهام الطعام، كما قيل بأنه كان يأكل خروفاً في الوجبة الواحدة.
أما فترة ما بعد الثورة فقد كانت الثورة ومجلس قيادتها هي الأخرى مادة لسيل وتلال من المذكرات السياسية، التي تناولتها بدايةً من قيامها، وحتى رحيل عبد الناصر ثم تلتها فترة حكم الرئيس السادات، وإن كان عبد الناصر قد مات قبل أن يخلف وراءه مذكراته لتفك كثيرا من الألغاز، وتغلق الأبواب أمام كل هذا الجدل الذي صاحب فترة توليه مجلس قيادة الثورة، فإن العديد من رجال الثورة قد كتبوا مذكراتهم وتباروا في كشف كثير من الحقائق والألغاز وإظهار لصورة ما كان يحدث في كواليس تلك الفترة .
ولعل أشهر هذه المذكرات هي مذكرات خالد محي الدين والبغدادي وأحمد طعيمه، ومازال الجميع قادة وساسة ينتظرون مذكرات الكاتب الكبير محمد حسين هيكل، فهو الشخص الوحيد القادر على فك الاشتباك حول العديد من مناطق الخلاف الكثيرة في تاريخ الثورة، ولعل كتابه «لمصر لا لعبد الناصر» الذي صدر عام 76 عن دار للنشر في بيروت يعد رواية مختصرة لبعض المشاهد التي رآها بعينه، ليرد بها على بعض ما يثار ضد عبد الناصر، وهذا الكتاب فُرض عليه حظر وصُودر بعض الوقت في مصر .
وتأتي مذكرات السادات «البحث عن الذات» لتكون أول مذكرات يكتبها زعيم عربي بيده ويصور فيها حياته ومواقفه السياسية، وكذلك مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي والتي كتبها في جزأين أشهرهما الجزء الأول من هذه المذكرات، والذي تناول فيه حرب أكتوبر والذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب في الجزائر سنة 1979، وقد اكتسبت هذه المذكرات شهرتها أكثر من كونها قد تمت مصادرتها في مصر وعدد من الدول العربية، وليس هناك دليل على شهرتها أكثر من أن طبعتها الأولى والثانية قد نفدتا بالكامل وتم طبع خمسة عشر ألفاً أخرى كطبعة ثالثة.
وقد صدرت عن هذه الفترة العديد من المذكرات التي أراد بها البعض «ضرب عصفورين بحجر واحد» وهو التربح والتشهير ببعض الشخصيات، لذلك تم تصنيفها على أنها مذكرات ساخنة ومنها مذكرات اعتماد خورشيد التي تعرضت فيها للحياة الخاصة لبعض المشاهير، وقد لاقت مثل هذه المذكرات رواجاً شديداً في سوق الكتاب وتناولتها أيدي القراء على مختلف أعمارهم وثقافاتهم.
وعن كتابة المذكرات يقول د. حمادة إسماعيل أستاذ التاريخ الحديث : المذكرات السياسية التي تناقلتها الأيدي في الوطن العربي وليس مصر فقط هي كارثة تاريخية تضر بعقول الجيل الحالي وكذا الأجيال القادمة، لما بها من تزييف وتشويه للتاريخ على أسنة أقلام كتابها، ويضيف: لقد هالني ما قرأته على صفحات هذه المذكرات، والتي كانت موضوع دراسة أعددتها بعنوان «المذكرات السياسية مصدراً لتاريخ مصر المعاصر»،
وأخذنا عن ذلك أمثلة مما تحويه بعض تلك المذكرات، فإنه مثلاً في مذكرات «سعد زغلول» اهتزت شخصية مصطفى كامل في أكثر من موقع، كان أقلها التهوين من الدور السياسي الذي لعبه هذا الزعيم المناضل، وليس هو فقط بل كل من خرج على سعد وعلى رأسهم عدلي باشا يكن، وعليه لا يؤخذ كل ما كتبه سعد عن مصطفى كامل وغيره مأخذ الجد، بل يجب على الباحث أن يبحث في مصدر آخر وإذا كان في قدرة الباحث أن يفعل ذلك فهل في إمكان كل قارئ عادي أن يفعل مثله.
ويورد د. حمادة مثلاً آخر عن أكبر حقبة تاريخية كتب فيها مذكرات فيقول: إن مذكرات رجال الثورة حالها أعجب، فالبغدادي يتمحور حول نفسه، وصورة الرئيس الراحل السادات باهتة في مذكراته، وبقدر ما أفرد من مساحة كبيرة لحرب 67 لم تتحدث عن حرب أكتوبر 73، كما أن السادات في كتاباته الأولى عن عبد الناصر أضفى عليه كل صفات العظمة والقيادة، أما في مذكراته «البحث عن الذات» فالصورة مختلفة جداً،
وترك من يقرأ كتابه أن يضرب كفاً بآخر عن هذا التناقض المدمر، أما خالد محي الدين فجاءت مذكراته تحكي تجربته مع الثورة ومجلس قيادتها والخلاف بينه وبين عبد الناصر، ولكن جاءت نهايتها، أي المذكرات، مخيبة لكل آمال القراء عندما أنهاها بحديث مختصر عن كل شخصية في مجلس قيادة الثورة، وحاول من خلال ذلك إرضاء هذه الشخصيات من باب «اذكروا محاسن موتاكم».
و يرى د. حمادة إسماعيل أن التاريخ لا يكتب هكذا، بل يجب أن يكون هناك حياد تام لكاتب المذكرات وأن يكتب ما رآه وعاصره، كما ينبغي أن يكون من وجهة نظره هو الشخصية، كما يجب أن يتصدى أساتذة التاريخ في العالم العربي لهذه المذكرات لدراستها وتقديرها رحمةً بتاريخ هذا الوطن، وستكون الرحمة أكثر عندما يسمح للباحثين والمؤرخين بالإطلاع على الوثائق وأوراق المؤسسات السياسية والسيادية، أسوةً بما يحدث في الدول الأخرى، لأن الإبقاء على سرية هذه الأوراق في خزائن حديدية دون تبصر يضيف كارثة جديدة إلى تاريخنا القومي الذي نعتز ونفخر به بين الأمم.
هواة التاريخ
أما د. محمد عبد الحليم أستاذ العلوم السياسية بالقاهرة فيقول: إن كتابة المذكرات هي حق لأي شخص أياً كان موقفه، مادام يرى في هذه المذكرات وما سيرد بها من عرض لتجربته الخاصة في الحياة إفادة ومنفعة لقرائه، ولكن الأمر يختلف في المذكرات السياسية فكتابتها يجب أن تكون لأحد صناع القرار السياسي وليس من ينوب عنه، مثلما يحدث ونرى والنتيجة أننا أمام تلال من المذكرات التي كتبها أشخاص بلا تاريخ.
ويتساءل د. عبد الحليم: أوليس من الغريب أن ثلاثة من أهم رموز ثورة يوليو لم يكتبوا مذكراتهم؟! وهم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وزكريا محي الدين والأخير يعتبر كاتم أسرار الثورة. أما الشاعر فاروق جويدة فيقول: المذكرات بشكل عام نوع من أدب الاعترافات التي ظهرت في الغرب أولاً بسبب وجود مساحة من الحرية الفكرية والسياسية التي يتمتع بها الكتاب والمبدعون في الغرب،
والتي منحتهم الفرصة منذ سنوات بعيدة أن يكتبوا تجربتهم في الحياة بأدق التفاصيل، وهذا ما جعل البعض منهم لم يخجل من أن يسجل انحرافاته وتجاوزاته ومناطق الخلل فيه، ولكن هذا النوع من الأدب لم يجد حتى الآن صدى واسعا في دائرة الإبداع العربي، وإن كانت هناك قلة قليلة حاولت ذلك وكتبت سيرتها الذاتية في حياتها مثل طه حسين في «الأيام» والعقاد في مذكراته «في بيتي» والحكيم ولويس عوض وأحمد بهاء الدين وأنيس منصور.
ويضيف « جويدة» بالنسبة للمذكرات السياسية فإنها في النصف قرن الأخير تعتبر أكثر بكثير من اللازم، بل إنها تحولت إلى هواية وفتحت هذه المذكرات أبواباً كثيرة لكل من يبحث عن دور، وبات البعض يحاول أن يوهمنا بأنه كان صاحب تاريخ بل وصاحب الأدوار الحقيقية، وإلا فبماذا نفسر أن يحاول سكرتير أو مدير مكتب أو صديق عابر أن يكتب تاريخاً عن أشخاص لهم تأثيرهم في الحياة والتاريخ.
المذكرات السياسية هي حق مشروع لأصحاب الأدوار السياسية، وأن تصبح هذه المذكرات مادة للتاريخ، مؤكداً على أن الصحافة المصرية لعبت دوراً كبيراً في إنعاش المعارك بين كتاب المذكرات، وللأسف الشديد فالخلاف كان حاداً وشديداً في المواقف والآراء والوقائع، بحيث أصبحت هذه المذكرات عبئاً على التاريخ.
(خدمة وكالة الصحافة العربية)