يشير بيليه إلى التغيير الكبير في الذهنيات ما بين 1958 و1974. ففي المرة الأولى كان المهم هو الحصول على اللقب العالمي دون الاهتمام كثيراً بالناحية المالية، ولكن «بعد 16 سنة أحسست أن اللاعبين يهتمون أكثر بما سيكسبون بعد المباراة وبما ستزداد قيمتهم، أكثر من اهتمامهم بالمباراة نفسها، وهكذا انطلقنا خاسرين وقد خسرنا، ولم تحقق البرازيل في المباراتين الأولى والثانية ضد يوغسلافيا ثم سكوتلندا سوى التعادل بدون أهداف بينما انتصرت في المباراة الثالثة ضد فريق زائير المتواضع بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد بينما انتصرت يوغسلافيا على نفس الفريق بتسعة أهداف نظيفة، ومع ذلك تأهلت البرازيل بفارق الأهداف مع سكوتلندا.

ولعبت في الدور الثاني مع ألمانيا الشرقية وفازت بهدف «غير مقنع» ثم فازت على الأرجنتين بهدفين مقابل هدف واحد، لكنها انهزمت أمام هولندا (صفر/2). يقول بيليه بعد أن أبدى إعجابه بالفريق الهولندي: «لقد عشت تلك الهزيمة بمرارة كما لو أنني كنت أحد لاعبي الفريق». واعتبر بيليه أن التراتبية العالمية لكرة القدم كانت قد تغيرت مع بروز هولندا «البرتقالة الميكانيكية» والفريق الفرنسي الشاب أو الفريق الألماني المنضبط الذي انتصر على الهولنديين في المباراة النهائية لكأس العالم عام 1974، والنتيجة كما يقول بيليه: «كان من الواضح أن دورة جديدة من التحديات تنتظر البرازيل».

رجل الأعمال

في نهاية عام 1974 اعتقد بيليه أنه يمكن أن يجمع بين كرة القدم والأعمال التجارية وتمنى بالوقت نفسه أن يلعب دوراً نشيطاً في توجيه كرة القدم البرازيلية مع متابعته تعليم رياضته المفضلة لجميع أطفال العالم. في تلك الفترة بدأ مصنع «فيولاكس» لصناعة المواد البلاستيكية الذي كان يملكه بيليه يعاني من صعوبات حقيقية. يقول بيليه: «كانت ديوني المتراكمة ضخمة، إذ وصلت إلى حوالي المليوني دولار».

كان ينبغي تأمين المال، لكن كيف؟

يجيب بيليه: «لإيجاد المال بسهولة ما كان علي سوى أن انتعل حذائي الرياضي من جديد. وقد اقترح علي كل من ناديي يوفنتوس وريال مدريد خمسة عشر مليون دولار.. وأبدى نادي ميلان اهتمامه بي ونادي أميركا المكسيكي، عشت حالة من التشوش الكامل. ولم تكن لدي أي رغبة للذهاب إلى أوروبا والعودة للعب دون توقف طيلة السنة تحت الضغط المستمر، وفي مثل تلك الحالة اتخذ بيليه قراره بالذهاب إلى أميركا للعب مع نادي «كوسموس» بنيويورك. يقول: «ناقشت الأمر طويلاً مع روزماري ـ زوجته ـ التي أكدت مساندتها لي مهما يكن القرار الذي أتخذه. وعندما كنت قد اعتزلت نهائياً كرة القدم مات شيء ما في داخلي. ولا شك بأن العودة للعب من جديد ستكون بمثابة علاج مثالي بالنسبة لي. لقد اخترت إذن الذهاب إلى نيويورك كي أبذر قليلاً من السامبا في التفاحة الكبيرة.

استمرت المفاوضات بعد اتخاذ القرار ستة أشهر مع نادي «كوسموس» عبر الهاتف والبرقيات واجتماعات المحامين والمستشارين في أمور الضرائب. وذلك في إطار السرية الكاملة منعاً من تسرب أية معلومات قبل الوصول إلى اتفاق نهائي. وقد حصل مسؤول النادي الأميركي على أن يقوم وزير الخارجية هنري كيسنجر بدعوتي رسمياً للعب في الولايات المتحدة من أجل تشجيع تطور كرة القدم. يقول بيليه: «كنت أعرف أن كيسنجر لا يوفر أي جهد في الكواليس من أجل تسهيل تحويلي. وقد كان حليفاً ثميناً، مثل جو هافيلانج رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي شارك في عدة اجتماعات إلى جانب ستيف روس، صاحب شركة «وارنر» مالكة نادي كوسموس.

موظف براتب خيالي

وفي النهاية تم التوصل إلى تسوية جميع التفاصيل ووقع العقد الذي قضى بأن ألعب لحساب كوسموس مدة عامين بصفتي أعمل لدى شركة وارنر للاتصالات. وجرى اتفاق ملحق للعقد يضمن لي 50% من جميع العائدات المترتبة على استخدام اسمي. وقاربت قيمة التحويل نفسها حوالي 9 ملايين دولار، أي ما كان يمثل مبلغاً خرافياً آنذاك. وكان السؤال الذي يلح على ذهن بيليه هو التالي: «هل ينتظرون مني ان ألعب بنفس المستوى الذي كنت ألعب فيه سابقاً».

كان عمره يقارب الخمسة وثلاثين سنة، وبالتالي لم يعد يمتلك مستوى ابن العشرين عندما كان قد فاز بكأس العالم لعام 1958 ويستعد لنيل كأس عام 1962. لكنه نجح في النهاية بأن يقنع نفسه ان ما يريدونه منه قبل كل شيء هو اسمه أكثر ما يبحثون عن مساهماته في المباريات الرياضية. كان بيليه قد زار الولايات المتحدة الأميركية سابقاً عدة مرات، بل انه حظي عام 1968 بلقب «مواطن كانساس سيتي» أثناء مباراة بين فريق نادي سانتوس وفريق محلي.

يقول بيليه: «اذا كان أغلبية الأميركيين لم يكونوا قد سمعوا باسمي فإن العديد من المهاجرين الذين تعود أصولهم الى بلدان تعشق كرة القدم كان يحضرون مبارياتنا» تم الإعلان عن توقيع العقد بتاريخ 11 يونيو 1975 وحضرت نصف وسائل الإعلام في العالم المؤتمر الصحافي الذي أعقب ذلك. وكانت المهمة الأولى بالنسبة لبيليه هي تحسين لغته الانجليزية.

لعب بيليه مباراته الأميركية الأولى ضد فريق تورنتو ميتروس» بعد أسبوع من توقيع العقد. وبلغ عدد الحضور 22500 مشجع بدلاً من 8000 عادة، وكان معدل حضور الجمهور لمباريات الفريق الذي لعب فيه بيليه قد ارتفع الى 20000 مشجع. يقول: «يمكن القول ان وصولي جذب الكثير من الناس نحو كرة القدم ويمكنني ان اضيف، مما قد يجعلني أبدو مدعياً، ان مبيعات بطاقات الدخول في الملعب قد انخفضت كثيراً عندما كنت اتعرض لإصابة تمنعني من اللعب أو عندما لا ألعب لسبب ما. هذه الإحصائية البسيطة تبين ان استراتيجية نادي كوسموس وشركة وارنر للاتصالات قد بدت مثمرة. واعتبرت ان جلب الانتباه والبقاء في الصف الأول يشكلان جزءاً من عملي.

أصبح بيليه معروفاً في نيويورك بعد فترة من اقامته فيها. ويحكي انه ذهب ذات يوم برفقة المعلق الرياضي الأميركي الشهير ديك يونغ لمشاهدة مباراة «بيسبول» وكان ذلك المعلق الرياضي قد كرر مراراً أمام بيليه انه غير مقتنع كثيراً بإمكانية تطور كرة القدم كثيراً في الولايات المتحدة الأميركية. ولكن عندما وصلا الى الملعب وعرف المتفرجون بوجود بيليه حدثت جلبة كبيرة، اذ كان الجميع يريدون رؤية «اللؤلؤة السوداء» عن قرب فما كان من المعلق يونغ سوى ان قال لبيليه: «كنت مخطئاً انك معروف حقاً».

الحياة في نيويورك

يحكي بيليه طويلاً عن حياته في إطار نادي كوسموس وفي نيويورك مع اسرته. ويروي ان ابنه «ادينيو» قد تأقلم سريعاً مع تلك المدينة الجديدة ولغتها.. ومع الثقافة الأميركية. يقول بيليه: كان يأتي أحياناً الى النادي كي يلعب معي بكرة القدم، لكنه كان يمارس في المدرسة لعبتي البيسبول وكرة السلة.. وعندما بلغ ادينيو الحادية عشرة اتصل بي ناظر مدرسته بالهاتف وطلب مني حضور حفل توزيع الشهادات وتسليم جائزة رياضية لابني. افترضت انه قد نال لقب أفضل لاعب بكرة القدم.. لكن في يوم الاحتفال اكتشفت انها جائزة افضل لاعب بالبيسبول..

كان مفاجأة كبيرة لي واحسست للحظة ببعض الضيق، ويشير بيليه الى ان رياضة البيسبول تثير ضجره.. وكان يتساءل: كيف يمكن للمرء ان يحب رياضة مضجرة إلى هذا الحد؟». ولكنه على العكس تأقلم مع أسلوب الحياة الجديد. في نيويورك عاش بيليه وسط «الكاميرات» والحفلات ومقابلة المشاهير من أمثال فرانك سيناترا ووودي آلن ومايكل جاكسون أكثر مما عاش على أرض ملاعب كرة القدم.

ويروي بيليه كيف انه كان ذات مرة بطريقه إلى مكاتب شركة وارنر للاتصالات في مركز روكفلر وعندما وصل استقبله جمهور كبير بحماس وأخذ يردد اسمه ويطلب توقيعه. وبعد أن شق طريقه بصعوبة حتى وصل إلى المصعد وجد فيه شخصا آخر.. وعندما استدار صوبه وجده الممثل الشهير روبرت ودفورد الذي فاجأه بالقول ضاحكاً: «لم يلحظ أحد دخولي».

ما يؤكده بيليه هو انه لم يعرف أبداً طعم الكحول قبل وصوله إلى نادي كوسموس.. وانه لم تلامس شفتاه أبداً كأساً من «الكابيرينا»، أي المشروب الوطني الشائع في البرازيل. يقول: «لقد أوليت دائماً اهتماماً كبيراً لصحتي فلا كحول ولا تبغ ولا مخدرات. وكان يقال لي بين فترة وأخرى إن كأساً واحدة لا تؤذي، بل إن شرب قليل من النبيذ مفيد للقلب.

وهذا ما كنت أجيب عليه دائماً بالقول: أنا مولود في بلدة تريس كوراسيوز ـ القلوب الثلاثة ـ، وبالتالي عندي ثلاثة قلوب. إذن علي أن أشرب ثلاث كؤوس، وهذا كثير جداً».وبعد تأكيد بيليه أيضاً على انه قد اهتم دائماً بنظامه الغذائي، فإنه يشير إلى أنه تذوق خلال أسفاره الكثيرة إلى الخارج كل أنواع الأطعمة.. وحيث كانوا في كل مرة يدعونه لتذوق الطبق المحلي. وقد سهل عليه ذلك انه يحب جميع الأنواع من لحوم وأسماك وخضار.

حذاء مطعَّم بالذهب

لعب بيليه مع فريق كوسموس خلال عام 1976 في اليابان والهند وأوغندا ونيجيريا.. والعديد من البلدان، ونال في نهاية ذلك الموسم «حذاء كرة قدم مطعّم بالذهب» احتفالاً بتسجيله هدفه رقم 1250 كلاعب كرة قدم محترف.. وهذا ما يصفه بالقول: «وحتى لو انني لم أعرف ذلك الانفعال والفرح اللذين رافقا الاحتفال بتسجيلي الهدف رقم 1000، إلا أن هذا التكريم الجديد يشكل وساماً هاماً في مسيرتي الكروية..

لقد قطعت طريقاً طويلاً منذ الفترة التي كنت ألعب فيها حافي القدمين في شوارع مدينة بورو». ويضيف: «شكراً لله، لقد تمتعت بصحة بدنية جيدة طيلة حياتي». ولا ينسى في هذا السياق أن يعبر عن امتنانه الكبير للطبيب «خوليو مازي» الذي رافقه طيلة سنوات عديدة ويصفه بأنه كان «رائداً وخبيراً يعرف دائماً آخر التقنيات». وفي المحصلة النهائية لعب بيليه 111 مباراة مع نادي كوسموس سجل فيها 65 هدفاً.. وكانت آخر جولة له مع ذلك الفريق هي إلى اليابان والصين وترينيداد وتوباغو وفنزويلا والهند.

أما المباراة النهائية فقد كانت بمثابة «زوبعة من الانفعالات» بالنسبة له إذ كانت ضد فريق نادي سانتوس البرازيلي «ذلك النادي العزيز على قلبي» كما يقول ويضيف: «كان مرتقباً أن ألعب شوطاً مع نادي كوسموس والآخر مع نادي سانتوس». ويتابع: «في الأول من شهر أكتوبر 1977، وقبل ثلاثة أسابيع من عيد ميلادي السابع والثلاثين حضر حوالي 75000 شخص في ملعب جيانت ستاديوم لحضور وداعي لكرة القدم، هذه الرياضة التي قدمت لي الكثير من الفرح خلال واحد وعشرين سنة زاخرة بالتوترات والتجارب الاستثنائية.

لقد سجلت هدفاً لنادي كوسموس في الشوط الأول، لكنني لم أستطع أن أفعل الشيء نفسه لرفاقي البرازيليين في الشوط الثاني. وقد فاز الفريق الأميركي بهدفين مقابل هدف واحد للفريق البرازيلي. هكذا وضعت حداً نهائياً لمسيرتي كلاعب كرة قدم محترف، وقد كنت شديد الانفعال مثل تلك اللحظة التي كنت تركت فيها الفريق الوطني البرازيلي عام 1971 ونادي سانتوس عام 1974. ومرة أخرى أيضاً غسلت الدموع وجهي بينما كان الجمهور يصفق لي بحرارة. ولم أكن بحاجة في ذلك اليوم الممطر إلى تجفيفها».

في يوم الوداع ذاك، حمل اللاعبون بيليه على أكتافهم وداروا حول الملعب. تذكر يوم ذاك رحلته من بورو إلى سانتوس قبل عشرين عاماً برفقة والديمار دوبريتو.. وكان هناك احتفال آخر في «بلازا» حضره أفراد عائلته كلهم، كما حضره أكثر من «كابتن» كانوا قد قادوا فرقهم إلى النصر مثل بيليني ومورو وكارلوس ألبرتو عن البرازيل وبوبي مور عن انجلترا وفرانز بيكنباور عن ألمانيا، وخاصة محمد علي كلاي الذي يقول عنه بيليه: «لقد بكى وهو يضمني إلى صدره بعد المباراة.. وأتذكر كلماته لي: الآن نحن اثنان متوجين ملكين».

وكان جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الأسبق قال لي: «لقد سما بيليه بفن كرة القدم إلى ذرى لم يعرفها من قبل في أميركا. وبيليه وحده بمكانته الرفيعة وموهبته الفريدة وكرمه الرائع، استطاع القيام بتلك المهمة». لعب بيليه 1367 مباراة رسمية سجل فيها 1283 هدفاً.. وهذه نتيجة مشرفة كما يبدو لي»، يقول بيليه.

عرض ومناقشة

د. محمد مخلوف ـ باريس