يقول كارلوس ألبرتو توريس صديق بيليه في الحياة وزميله لسنوات طويلة في الملاعب: «إن سره ـ أي بيليه ـ يكمن في قدرته على الارتجال. إنه يتصرف بشكل غريزي خلال ثانية واحدة، وقد كان يمتلك فهماً استثنائياً للعب».بعد فوز البرازيل في كأس العالم لكرة القدم عام 1970، وللمرة الثالثة، عاد الفريق إلى البرازيل ليعيش سلسلة جديدة من الاحتفالات والاستقبالات، وحتى رئيس البرازيل الجنرال «اميليو ميديتشي» استقبل اللاعبين في القصر الرئاسي كي يقدّم لهم التهنئة شخصياً، وكي يعبر لهم عن اعتزازه وفرحه، يقول بيليه: «بالطبع كان تفوق البرازيل في ميدان كرة القدم يقدم فائدة سياسية بالنسبة له، وعلى الأقل فيما يتعلق بصورة البلاد في الخارج.
هذا لا يمنع أن ميديتشي كان مشجعاً صادقاً ووطنياً أدخلت نتيجتنا البهجة إلى قلبه». وأسهبت الصحف من جهتها، في الثناء على أسلوب اللعب «المنفتح والمرن» للفريق البرازيلي في مواجهة الأسلوب «الدفاعي» و«القائم على الانتظار» لدى الإيطاليين في المباراة النهائية. لكن بيليه يؤكد أن «المنتصر الآخر الكبير في مباريات كأس العالم لكرة القدم عام 1970 في المكسيك كان كرة القدم بشكل عام، وقد أجمعت وسائل الإعلام على ذلك. أما بالنسبة لي، فقد كنت فخوراً أن فريقي قد استطاع أن يقدم أفضل ما يمكن للرياضة أن تغطيه، وكان علينا أن نحافظ على تلك الذهنية وأن ننقلها إلى البلدان الأخرى، وهذه لن تكون مهمة سهلة في مواجهة الضغط المتزايد للرهانات المطروحة في مجال كرة القدم».
أبوة ودراسة
رُزق بيليه بطفله الثاني «ادسون شولبي دو ناسيمونتو» في شهر أغسطس 1970. يقول: «عندما حملته بين ذراعي، قلت له إنه يستطيع أن يفعل ما يشاء وان يكون لاعب كرة قدم أو لا كنا، روزماري وأنا نتمنى فقط أن يكون ابننا بأحسن حال. أليس من واجب الأهل أن يتمنوا لأبنائهم ما لم يكونوا هم أنفسهم قد عرفوه؟. كنت مثل جميع الناس لدي الرغبة أن يتبع أدسون وكيلي ـ الابنة ـ أفضل الدراسات، وأتمنى الشيء نفسه لجميع أطفال البرازيل».
كانت ولادة ادسون ـ ادينو ـ كما يدعوه ابوه ـ دافعاً لبيليه كي يحضر المستقبل بجدية. يقول: «لقد قررت العودة إلى المدرسة والحصول على شهادة، واحتراماً لتقاليد الطلبة في السنة الأولى قمت بقص شعري، وسرعان ما جرى تبني طريقة تلك القصة باعتبارها ـ موديل ـ بيليه»، ويضيف في مكان آخر: «كنت أتألم منذ فترة، من نقص الفهم في شتى الأمور، ومن قدرة تقديم تعريف لنفسي كشخص. كنت أجهل من أنا أو ماذا أنا.
هل مجرّد لاعب كرة قدم؟ كلا، لا أستطيع أن اكتفي بهذا. كان العديد من المدارس والمستشفيات والجامعات يدعوني للحديث عن كرة القدم فأحسست بالحاجة إلى تحسين تلك المحاضرات وإثرائها، ولم يكن ذكائي وغريزتي كافيين لذلك بل كان لابد من امتلاك ثقافة جيدة، ابتداءً من القاعدة، وكان هناك هدف آخر من العودة إلى الدراسة وهو تقديم «المثال» و«القدوة» للأطفال. كان بيليه على إدراك تام بأنه لن يستطيع متابعة لعب كرة القدم أبدياً، وكان قد شبع من ركوب الطائرات والأسفار لذلك كان لا بد من شيء جديد، وهكذا اختار ولوج طريق العلم في ميدان قريب من الرياضة هو «التربية المدنية» «الأمر الذي لم يكن سهلاً» على حد قوله.
لقد أحس بيليه بخوف كبير وهو يهم لتقديم الامتحان، مع أنه كان قد حضر له جيداً وسهر الليالي وهو «يدرس» المواد المطلوبة، وأخيراً حصل على الشهادة المطلوبة التي لا بد منها للدخول إلى الجامعة، يقول عن امتحان دخوله إلى الجامعة: «أحسست أنني مثل دونكيشوت وأنا أمشي نحو لحظة حاسمة أخرى في حياتي، لقد نجحت في السيطرة على أعصابي وكنت متأكداً عند خروجي من قاعة الامتحان أنني قد اجتزته بنجاح، ثم تلقيت بعد أسبوع رسالة تؤكد نجاحي، هكذا انفتحت أبواب الجامعة أمامي أخيراً».
كانت الدراسة في جامعة سانتوس تستغرق ثلاث سنوات، وكان على بيليه أن يقدم امتحانات، بالإضافة إلى مواد التربية البدنية، بمواضيع أخرى مثل علم النفس والتشريح والتاريخ، هكذا غرق في بحر من الكتب يقول: «لم أكن أريد الحصول على الشهادة كي أصبح مدرباً، فهذا ما لم يخطر لي أبداً، لكنني كنت أريد أن أقدم البرهان على أنه عندما يريد المرء شيئاً عليه أن يكافح من أجل الحصول عليه، لقد اتخذت قراراً واحترمته، هكذا حصلت على تلك الشهادة، وانني أسمح لنفسي اليوم أن أوجه الرسالة التالية لجميع الشباب، رياضيين وغير رياضيين وهي أن التعليم أمر جوهري، والتصميم لا بد أن يؤدي إلى النجاح.
الاعتزال
على الصعيد الرياضي، ودّع بيليه الفريق الوطني البرازيلي بمباراتين بعد ان كان قد قرر الانسحاب تدريجياً من ملاعب كرة القدم بعد انتصار عام 1970 ببطولة كأس العالم. كانت مباراة «الوداع» الأولى بتاريخ 11 يوليو 1971 ضد النمسا حيث لم يلعب بيليه سوى شوط واحد، هو الشوط الأول حيث سجل هدفه السابع والسبعين والأخير في اطار الفريق الوطني البرازيلي.
وكانت المباراة الأخيرة التي لعبها بيليه وهو يرتدي «ألوان» البرازيل الرسمية يوم 18 يوليو 1971 في ملعب «ماراكانا» الذي أحبّه كثيراً. يقول: «كان ذلك اليوم هو أحد أكثر الأيام اضطراباً في حياتي». حضر تلك المباراة مئة وثمانون ألف متفرج من أجل مجرد لقاء ودي ضد يوغسلافيا، كانت نتيجته النهائية هي التعادل بهدفين لكل فريق.
يقول بيليه: «لم تكن جودة اللعب هي التي جعلت ذلك التاريخ استثنائياً. لكن كيف يمكن نسيان تلك الحرارة وذلك الحب اللذين عبّر عنها الجمهور؟ كنت عاجزاً عن التركيز خرجت من اللعب بعد نهاية الشوط الأول. فردد جمهور الحضور بصوت واحد «فيكا.فيكا» أي «ابق. ابق» فقمت وانا محاط بعدد من الأطفال بجولة حول الملعب بينما يرجوني الجمهور بان لا أذهب لقد وضعت سترتي على وجهي، لكن لا شيء كان يمكن ان يمنع تدفق الدموع من عيوني».
واجه بيليه العديد من الانتقادات بعد ذلك لإنه قد ترك الفريق الوطني البرازيلي وهو لايزال قادراً على العطاء» لكن «من الصعب الحصول على رضى جميع الناس» يرد بيليه، وفي الفترة نفسها «تبدلت» الأجواء داخل فريق سانتوس بعد وصول مدربين جدد وإداريين جدد.. كذلك أصبحت متعة بيليه في اللعب أقل وتردد كثيراً عمّا إذا كان عليه ان يترك نادي سانتوس نهائياً أو يفاوض على عقد جديد حسب شروطه؟
يقول: «قررت البقاء بعض الوقت منذ اللحظة التي حاول فيها النادي فعل كل ما ينبغي من أجل الاحتفاظ بي. بالطبع أثار ذلك كل أنواع الشائعات التي وصل بعضها إلى حد القدح، فيما يخص مطالبي التي وصفوها بانها مبالغ بها لكن خلال السنوات التي أمضيتها في سانتوس حصل النادي على أكثر من عشرين مليون دولار، أي ما يمثل اليوم ثروة حقيقية، ولا اعتقد أنه من الادعاء القول ان وجودي في الفريق ساهم كثيراً في تحصيل ذلك المبلغ.
إنني لا أخترع شيئاً إذ أن البلدان والأندية التي كانت تدعونا كانت تقدم اموالاً أكثر، حتى الضعف في الواقع، عندما كنت في عداد اللاعبين. ومن المناسب أيضاً الإشارة إلى أن نادي سانتوس قد أمضى عدة سنوات بعد رحيلي عنه لم يلعب فيها أية مباراة في الخارج». هكذا أنهى بيليه مسيرته كلاعب كرة قدم حيث كان قد بدأها في نادي سانتوس. لكن سنواته الأخيرة فيه كانت صعبة أكثر فأكثر إذ «تغير سانتوس بسرعة فالأشخاص الذين كنت اعرفهم بشكل أفضل بقوا على قارعة الطريق. وقد أحسست انني وحيد دون أصدقائي ورفاقي ـ زيكو لولا، انطونيو، مورو، بيب، كوتينو، ليما وآخرون».
وكان عام 1973 حافلاً بالأسفار إلى استراليا والامارات وباقي دول الخليج ومصر والسودان وإفريقيا ثم أوروبا وتحديداً ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وانجلترا حيث خسر الفريق البرازيلي في هذه الأخيرة في مباراتين احداهما مع نادي فولهام الذي فاز بهدفين مقابل هدف واحد والثانية فاز بها نادي بلايموث بثلاثة أهداف مقابل هدفين. يقول بيليه: «لقد سجلت في كل منهما، لكن هذا لم يجعل وداعي للأرض الانجليزية أقل مرارة».
وشهد شهر سبتمبر 1973 مباراة وداع» غارنشيا في ملعب ماراكانا.. يقول بيليه عن زميله: «لا يزال غارينشا بنظري حتى اليوم هو أفضل جناح يمين وضع حذاءه الرياضي على أرض ملاعب كرة القدم». وكان ذلك اللاعب الكبير قد اضطر للخروج مبكراً من الملاعب بعد إصابة في ركبته.. كما أنه، و كما يروي بيليه، عرف مشاكل في حياته الشخصية، خاصة من حيث تعاطيه للكحول. «لقد ضل الطريق» يقول صديقه بيليه ثم يضيف: «ان الذكرى الأكثر إثارة للألم حول تردي حالته تعود لعدة سنوات لاحقة.
وذلك عندما قبل المشاركة بالوقوف على عربة في كرنفال ريودوجانيرو، لقد اقترحوا عليّ مليون مرة المشاركة في ذلك الكرنفال لكنني لم أقبل أبداً ذلك. بكل الأحوال صعد غارنشيا على عربة مدرسة مانغيرا أحد أشهر مدارس رقص السامبا في البرازيل ـ وعندما رأيته على شاسة التلفزيون انتابتني رغبة في البكاء. كان جالساً على العربة مذهولاً وكأنه لا يفهم شيئاً مما يدور حوله، كان مجعد الوجه ومفرغاً من أي طاقة حيوية. انني نادراً ما شاهدت منظراً صاعقاً بهذا القدر». توفي غارنشيا عام 1983، ولم يحضر بيليه جنازته وآثر أن «يصلي» من أجله وحيداً.
وعلى الرغم من أن بيليه كان قد قرر الاعتزال نهائياً من مباريات كأس العالم، فإنهم قد حاولوا إقناعه بالعودة عن قراره والمشاركة في بطولة عام 1974 في ألمانيا الغربية. كانت الحجة بسيطة وهي أنه كان لا يزال يلعب جيداً مع فريق نادي سانتوس الذي فاز من جديد بلقب اندية اميركا الجنوبية «وكنت مرة أخرى أفضل هداف في الدوري» يقول بيليه ثم يضيف: «يمكنني أن أكون فخوراً بمحصلة سنواتي مع فريقي سانتوس إذ جرى تتويجي إحدى عشرة مرة أفضل هداف بينما فاز الفريق بلقب البطولة عشر مرات».
بالتالي كان من الطبيعي أن يتلقى بيليه الضغوط من كل جهة من أجل العودة للعب مع الفريق الوطني، وكان من بين الذين دفعوا نحو تلك العودة الجنرال ارنستو غيزيل الذي استولى على السلطة عام 1974 وزوجته وعدد من ضباط الجيش الكبار، يقول بيليه: «لكن المشكلة كانت في إنني سمعت عن تجاوزات النظام العسكري ضد الطلبة المحتجين ونفي بعض الفنانين، بل تحدث بعضهم عن القيام بعمليات تعذيب.
ولقد جاءت ابنة غيزيل بنفسها كي تطلب مني إعادة النظر بموقفي، لكنني لم أكن أنوي أبداً ذلك»، وكان من بين الذين رجوه أيضاً العودة للمعلب «جواو هافيلانج» الذي أصبح بعد فترة وجيزة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وماريو زاغاللو» مدرب الفريق الوطني الذي قال له: «أتمنى الاعتماد عليك. فإنك تستطيع أن تحل لي مشكلتي مع الهجوم».
وقد كان زاغاللو نفسه لاعباً خلال بطولتي كأس العالم لكرة القدم عامي 1958 و1962 وأصبح مدرباً عام 1970، لقد بقي بيليه مصراً على موقفه: «لكن رغم الصداقة الكبيرة التي كنت أكنها له، تمسكت بموقفي. وكنت قد عرضت في عام 1971 الأسباب التي تجعلني أتخلى عن المشاركة في بطولة كأس العالم لعام 1974.. وتلك الأسباب لم تتغير أبداً».
عرض ومناقشة
د. محمد مخلوف ـ باريس
